شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: قياس قوة مصر…

تختلط المفاهيم في لحظات التوتر الكبرى، فتعلو الأصوات، ويخفت التفكير. تُقاس القوة أحيانًا بما يظهر لا بما يؤثّر، وبما يُقال لا بما يُحسب. هكذا تتحول السياسة من علمٍ يُفترض فيه الدقة إلى ساحة انطباعاتٍ تحكمها العاطفة، وتغذيها الشاشات.

تميل الدول، بطبيعتها، إلى تضخيم عناصر قوتها، كما يميل خصومها إلى تضخيم نقاط ضعفها. لا غرابة في ذلك، فالسياسة ليست ساحة حقائق خالصة، بل ميدان روايات متنافسة. غير أن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الروايات إلى بديل عن التحليل، أو حين يُبنى القرار على صدى الإعلام لا على صوت الواقع.

تحتاج قراءة القوة إلى ما هو أبعد من المقارنات السطحية. لا يكفي أن ننظر إلى الاقتصاد وحده، ولا إلى السلاح وحده، ولا إلى الخطاب السياسي وحده. القوة، في جوهرها، شبكة متداخلة من عناصر متعددة، يتفاعل كل منها مع الآخر، فيصنعان معًا صورة مركبة لا تختزل في رقم، ولا تُحسم في مؤشر.

يفرض الواقع الدولي المعاصر نمطًا مختلفًا من التفكير؛ لم تعد الدولة كيانًا منفصلًا، بل عقدة داخل شبكة معقدة من المصالح والارتباطات. أي خلل في أحد أطراف هذه الشبكة ينعكس على بقية الأطراف. هنا، يصبح التفكير الجزئي خطرًا، لأنه يبني استنتاجات على جزءٍ معزول من الصورة.

تتغير أوزان عناصر القوة بتغير اللحظة. ما يكون حاسمًا في زمن الحرب قد يصبح ثانويًا في زمن السلام، وما يبدو ضعفًا في سياقٍ معين قد يتحول إلى عنصر قوة في سياقٍ آخر. هذه الديناميكية تفرض الحذر من الأحكام المطلقة، وتدعو إلى قراءة مرنة للواقع.

تمثل الجغرافيا، رغم كل ما قيل عن نهاية دورها، أحد أكثر العناصر ثباتًا وتأثيرًا. العمق الاستراتيجي، الموقع، القدرة على المناورة، كلها عوامل لا يمكن تعويضها بسهولة. دولة واسعة قد تتحمل الصدمات أكثر من دولة منفتحة على التهديد، مهما امتلكت الأخيرة من تفوق تقني.

تلعب الكتلة السكانية دورًا مزدوجًا؛ فهي مصدر قوة إذا أُحسن توظيفها، ومصدر ضغط إذا تُركت بلا إدارة. كذلك الحال في الاقتصاد، الذي قد يبدو قويًا في أرقامه، لكنه هش في بنيته، أو تابع في قراره.

تبرز في قلب هذه الشبكة فكرة أكثر حساسية: استقلال القرار. لا تقاس السيادة بالشعارات، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها بعيدًا عن الإملاءات. قد تمتلك دولة أدوات القوة، لكنها تفتقر إلى حرية استخدامها، فتبدو قوية في ظاهرها، محدودة في حقيقتها.

تبدو هذه المعادلة أكثر إلحاحًا في الحالة المصرية. مصر ليست دولة عادية في الجغرافيا أو التاريخ، لكنها تعاني من فجوة بين ما تملكه من مقومات وما تحققه من نتائج. موقعها، سكانها، تاريخها، مواردها، كلها عناصر قوة كامنة، غير أن إدارة هذه العناصر تظل التحدي الحقيقي.

لا تكمن المشكلة في نقص الإمكانيات، بل في طريقة قراءتها. حين يُختزل النقاش العام في أرقام الديون أو معدلات النمو وحدها، أو في صفقات السلاح فقط، نفقد القدرة على رؤية الصورة الكاملة. القوة ليست رقمًا في تقرير، بل قدرة على الفعل والتأثير.

يزداد الأمر تعقيدًا مع صعود إعلام يلهث وراء الإثارة، لا الدقة. يتحول الجمهور إلى متلقٍ لرسائل متضاربة، فيتشكل وعيه على أساس الانفعال لا المعرفة. وحين يصبح “تصور الشارع” بديلاً عن تقدير الخبراء، تتعرض الدولة لمخاطر قرارات غير محسوبة.

تفرض هذه الحالة ضرورة العودة إلى منهج علمي في قراءة الواقع، منهج يجمع بين المعطيات المختلفة، ويقيس تأثيرها المتبادل، ويحدد ما هو جوهري وما هو هامشي. دون ذلك، يبقى التحليل أسير الانطباع، وتبقى السياسة أسيرة رد الفعل.

يحتاج المشروع الوطني المصري إلى إعادة تعريف لمفهوم القوة. لا يكفي أن نمتلك عناصرها، بل يجب أن نعرف كيف نرتبها، ونوظفها، ونحميها من التآكل. القوة الحقيقية تبدأ من الفهم، وتنتهي بالفعل.

تقف مصر اليوم أمام لحظة مراجعة، لا لحظة إنكار. مراجعة تعيد ترتيب الأولويات، وتحرر القرار، وتربط بين الإمكانات والنتائج. دون ذلك، سيبقى السؤال معلقًا: كيف تملك دولة كل هذه المقومات… ولا تترجمها إلى نفوذ؟

لا تحتاج الإجابة إلى شعارات، بل إلى عقلٍ يرى الصورة كاملة، ويملك شجاعة الاعتراف، وإرادة التغيير.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى