مقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة موازنة أهداف ونتائج… لا أبواب. (2)

تبدأ الدولة الحديثة حين تتوقف الموازنة العامة عن كونها دفترًا سميكًا للأبواب والبنود، وتصبح عقدًا معلنًا بين السلطة والمجتمع: ماذا سننفق؟ لماذا سننفق؟ ماذا سيعود على المواطن؟ وكيف نقيس ما تحقق لا ما صُرف؟

موازنة الأبواب تسأل: كم أنفقنا على الأجور؟ وكم خصصنا للسلع والخدمات؟ وكم ذهب إلى الاستثمارات؟ أما موازنة الأهداف والنتائج فتسأل سؤالًا أعمق وأخطر: كم مدرسة تحسّنت؟ كم مريضًا عولج بكرامة؟ كم فرصة عمل خُلقت؟ وكم جنيهًا عامًّا تحوّل إلى أثر حقيقي في حياة الناس؟

نشأت فكرة موازنة الأداء والنتائج في التجربة الأمريكية الحديثة، وارتبطت بتوصيات لجنة هوفر أواخر الأربعينيات، حين طُرح مفهوم “موازنة الأداء” بوصفه انتقالًا من حساب المدخلات إلى قياس المخرجات وكفاءة الخدمات العامة، ثم تطورت عالميًا إلى موازنات البرامج، والنتائج، والأداء المستند إلى مؤشرات قابلة للقياس.

تؤكد التجارب الدولية أن هذا التحول لم يكن ترفًا إداريًا، بل ضرورة لحماية المال العام من الغموض، وربط الإنفاق بالمساءلة. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشير إلى أن معظم دولها باتت تطبق شكلًا من أشكال موازنة الأداء، وأن 28 دولة من أصل 33 دولة شملها مسح 2023 تستخدم هذا النهج بدرجات مختلفة.

تكمن خطورة موازنة الأبواب في أنها قد تبدو منضبطة شكليًا، بينما تخفي فشلًا جوهريًا في النتائج. يستطيع المسؤول أن يقول إن الاعتماد المالي صُرف، وإن البند أغلق، وإن الحساب استوفى شروطه، لكن المواطن لا يرى مدرسة أفضل، ولا مستشفى أكرم، ولا خدمة أسرع، ولا طريقًا أقل خطرًا.

تحتاج مصر اليوم إلى موازنة تتكلم بلغة الإنسان لا بلغة الدفاتر فقط؛ موازنة تعرف أن التعليم ليس بابًا ماليًا، بل مستقبل وطن، وأن الصحة ليست بندًا إداريًا، بل حق حياة، وأن الاستثمار العام ليس رقمًا في جدول، بل اختبار لجدية الدولة في صناعة الغد.

تقوم موازنة الأهداف والنتائج على فكرة بسيطة لكنها ثورية: لا يكفي أن تخصص الدولة المال، بل يجب أن تعلن مسبقًا ما الذي تريد تحقيقه بهذا المال، ثم تعود في نهاية العام لتقول للناس: هذا ما وعدنا به، وهذا ما أنجزناه، وهذا ما فشلنا فيه، وهذه أسباب الفشل.

تفرض هذه الفلسفة تغييرًا كاملًا في صياغة الموازنة العامة؛ فوزارة التعليم لا تُسأل فقط عن حجم مخصصاتها، بل عن معدل كثافة الفصول، وجودة التدريب، ونسب التسرب، ومهارات الطلاب. ووزارة الصحة لا تُسأل فقط عن ميزانية المستشفيات، بل عن قوائم الانتظار، وتوافر الدواء، وعدد الأسرة، ونسب الرضا، وزمن الحصول على الخدمة.

تتجلى الفجوة المصرية في أن الموازنة كثيرًا ما تُعرض كوثيقة مالية لا كخطة وطنية قابلة للمحاسبة. يضيع المواطن داخل أبواب وبنود لا تقول له شيئًا عن مصيره، وتغيب عنه العلاقة المباشرة بين ما يدفعه من ضرائب ورسوم وما يحصل عليه من خدمات وحقوق.

تعني موازنة النتائج أن كل جنيه يجب أن يحمل بطاقة هوية: من أين جاء؟ أين ذهب؟ ماذا صنع؟ ومن المسؤول إن لم يصنع شيئًا؟ هنا يصبح الإنفاق العام فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا لا مجرد إجراء حسابي.

تعلمت دول كثيرة أن الشفافية لا تبدأ بعد الصرف، بل قبل الصرف. نيوزيلندا وبريطانيا وكندا وأستراليا وكوريا الجنوبية وغيرها طورت تجارب متعددة في ربط المخصصات بالبرامج، ومراجعة الإنفاق، وإدخال مؤشرات الأداء في وثائق الموازنة، بدرجات متفاوتة من الصرامة والنجاح.

تحتاج مصر الممكنة إلى هذا التحول لا لأن العالم فعله، بل لأن الواقع المصري يصرخ طلبًا له. لا يجوز أن تبقى الموازنة وثيقة نخبوية يقرأها المتخصصون وحدهم، ولا يجوز أن يظل المواطن غائبًا عن السؤال الأهم: هل أنفقت الدولة من أجله أم أنفقت باسمه فقط؟

تبدأ الخطوة الأولى بإعادة بناء الموازنة حول برامج كبرى واضحة: برنامج لتحسين التعليم الأساسي، برنامج للرعاية الصحية الأولية، برنامج للحماية الاجتماعية الذكية، برنامج للنقل العام، برنامج لدعم الصناعة الصغيرة، برنامج لخفض الدين وخدمة الفوائد، وبرنامج لرفع كفاءة الإنفاق الحكومي.

تحتاج كل وزارة إلى مؤشرات معلنة قبل بداية السنة المالية: أهداف رقمية، جداول زمنية، تكلفة محددة، جهة مسؤولة، وآلية مراجعة نصف سنوية. لا يكفي أن تقول الحكومة إنها أنفقت، بل يجب أن تثبت أنها أنجزت.

تستوجب موازنة النتائج أيضًا برلمانًا مختلفًا في أدائه الرقابي. البرلمان لا ينبغي أن يناقش الأرقام كأنها قدرٌ منزل، بل عليه أن يسأل الحكومة: لماذا فشل هذا البرنامج؟ لماذا زادت كلفة هذا المشروع؟ لماذا لم تتحسن الخدمة رغم زيادة الإنفاق؟ ولماذا تُمنح اعتمادات جديدة لجهات لم تقدم كشف حساب عن القديم؟

تفتح هذه الموازنة بابًا مهمًا لمحاربة الفساد والهدر، لأن الغموض هو البيئة الطبيعية للفساد. حين يعرف المواطن تكلفة المدرسة والسرير والطريق والدواء والبرنامج، يصبح قادرًا على السؤال، وحين يصبح السؤال مشروعًا، يصبح الفساد أقل راحة وأكثر خوفًا.

تحتاج مصر إلى الانتقال من ثقافة “الصرف” إلى ثقافة “الأثر”. فالصرف قد يحدث في دولة ضعيفة، أما الأثر فلا يظهر إلا في دولة تعرف أولوياتها، وتحترم مواطنيها، وتحاسب نفسها قبل أن تطلب التصفيق من الناس.

لا تعادي موازنة الأهداف والنتائج الانضباط المالي، بل تعطيه معنى. الانضباط الحقيقي لا يعني ضغط الإنفاق على الفقراء، بل يعني منع الهدر، ووقف المشروعات قليلة الجدوى، وتوجيه الموارد إلى ما يخلق قيمة اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.

تستحق مصر أن ترى موازنة تقول لها الحقيقة بلغة واضحة: كم سننفق على الإنسان؟ كم سنوفر من الهدر؟ كم سنخفض من الدين؟ كم سنرفع من كفاءة الخدمة؟ كم سننقذ من الفقر؟ وكم سنقترب من دولة العدل والكفاءة؟

تلك هي مصر الممكنة: دولة لا تكتفي بأن تفتح أبواب الموازنة، بل تفتح أبواب المستقبل؛ دولة لا تقيس نجاحها بما أنفقته، بل بما أصلحته؛ ولا تفخر بعدد البنود، بل بعدد النتائج التي غيّرت حياة الناس.

مصر الممكنة لن تولد من موازنة أبواب صامتة، بل من موازنة أهداف تنطق بالحقيقة، ونتائج تقبل الحساب، ودولة تعرف أن المال العام ليس مال الحكومة، بل عرق الناس وحقهم ووصيتهم المؤجلة في عنق كل سلطة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى