د.عمرو هاشم ربيع يكتب: الإمارات.. إلى متى ستظل تلعب أدوارا تخريبية؟

الإمارات العربية المتحدة دولة صغيرة في منطقة الخليج العربي، نالت استقلالها واتحدت فيما بينها مطلع ثمانينات القرن الماضي، وتحديدا في 2ديسمبر 1971، بعد أن استقلت عن بريطانيا التي خرجت من منطقة الخليج عام1968، حيث كانت تلك المنطقة بأسرها هي عُمان الكبرى.
لولا القدرات النفطية الكبيرة لـ”الإمارات المتصالحة” التي عُرفت فيما بعد بالإمارات العربية المتحدة، والتي حوتها أرضها، لم يكن لأحد أن يسمع عن تلك الإمارة الاتحادية الصغيرة، التي صارت دولة مستقلة، أو كما وصفها -هي وبعض جيرانها- الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل “الدولة بئر النفط”.
منذ سنوات قليلة تثير تلك الإمارة مشكلات كثيرة، وتلعب يقينا أدوارا تخريبية في منطقة الخليج بل وفي المحيط الإقليمي بأسره، ولربما امتد هذا النشاط لدول وبلدان خارج الإقليم.
آخر المستجدات هي خروج الإمارات من منظمة الأوبك وأوبك +(البلدان المصدرة للنفط)، رغبة في زيادة انتاجها إلى 5 مليون برميل يوميا، بعد أن كان انتاجها -قبل الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب- مقيدا بـ 3,447 مليون برميل من إجمالي المنتج من أوبك والمقدر بـ 30,930 مليون برميل يوميا. وهو أمر قد يسبب مستقبلا إغراقا للأسواق، مما يضر بباقي المنتجين -خاصة المملكة العربية السعودية أكبر المنتجين في أوبك- ما يجعل هؤلاء مضطرين إلى المزيد من الإغراق لمقاومة الإمارات، أو الحد من سياستها الإغراقية بالحد من الإنتاج لمنع تدهور الأسعار!!
سياسة صبيانية بامتياز
والدول في عالم اليوم كما الإنسان تمر بمراحل عمرية متباينة، طفل فمراهق فشباب فكهل فهرم. وقد تحسن الدول صنعا وتفعل ما يفعله الإنسان فتُدخل تحسينا على بعض الأداء السياسي عسى أن يُفضي ذلك إلى حالة من حالات الحيوية المانع والمحصن لبلوغ سن الهرم.
خذ مثلا دولة مثل قطر، أصبحت اليوم تلعب أدوارا عقلانية، رغم ما عليه من مآخذ، وذلك كله بعد أن كانت تمارس منذ عقد أو عقدين أدوارا تخريبية، تهدف إلى إحداث إنشقاقات داخل النظم السياسية المجاورة. ظلت قطر تحوى موزيك غريب من الكيانات والمؤسسات والبلدان متضاربة المصالح، كحماس وإسرائيل، والفصائل المتصارعة في أفغانستان وأريتريا…إلخ. أخر المستجدات تلك المناكفات التي تمت بينها ودول مجلس التعاون الخليجي ومصر حول جماعة الإخوان المسلمين في يونيو2017. لكن كافة تلك الأمور أصبحت اليوم من أرث الماضي، بعد أن آثرت قطر أن تكون لاعبا هادئا في معترك يعج بالخلافات.
الإمارات اليوم تعيد تجربة قطر منذ بداية هذا القرن، ولكن بصورة أكثر فظاظة وأشد غلظة وصبيانية، فهي تسعى إلى استغلال وفوراتها المالية للعب أدوار تخريبية، بل أنها تمارس على شعبها أدوارا اغترابية لكي يخرج المواطن الإماراتي من محيطه ووجدانه العربي.
سعي حثيث لتغريب المواطن الإماراتي
ولأن شعب الإمارات هو جزء أصيل من الشعب العربي، المُنجذب بالفطرة نحو العروبة وقضاياها المصيرية. فقد أمل نظام الحكم في دولة الإمارات إلى الخلاص التدريجي من تلك النزعة، أو على الأقل الحد منها، وذلك لتبرير حدة السياسة التي فُجعت بها الأمة بأثرها جراء كون الإمارات أصبحت عرابا للاتفاقات الإبراهيمية الهادفة إلى المزيد من إنغماس إسرائيل في المحيط العربي عامة والخليجي خاصة، استجابة وإنجرارا لمقولة أن العدو الحقيقي للعرب هم “الفرس”. وكان لأحداث 7 أكتوبر 2023 أن شكلت تحديا كبيرا للنظام الإماراتي كي يواجه تعاطفا طبيعيا وميلا طبيعيا نحو عروبته وقضيته المركزية، لذلك قام الجهاز الإعلامي وبتوصية أحد المثقفين الإماراتيين البارزين الذين كانوا من قبل محسوبين على التيار العروبي، والمثير لكثير من الجدل الإستنكاري اليوم حول: ماذا فعل العرب ومصر تحديدا للإمارات لحمايتنا من صواريخ ومسيرات؟ أن تم توجيه الإعلام الإماراتي إلى عدم متابعة أخبار فلسطين وغزة في صحفه وقنواته، أملا في “تبريد” المشاعر وفتور الأحاسيس العدائية تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، وهو ما تم تنفيذه بالفعل.
لا صديق ولا نصير غير الصهيوني
ولأن دولة الإمارات تأبى أن تعيش في بيئة الموائمات والمساومات والمفاوضات، وهي البيئة الطبيعية لأي نظام سياسي يريد البقاء، ويرغب في التكيف مع أوضاع الإقليم، لكونها ترغب في تنفيذ كل طموحاتها بغض النظر عن رغبات الدول المجاورة، خاصة العربية منها، فإنها اختارت منذ سبتمبر 2020 أن تتلاقى مع الكيان الصهيوني، رغم أنها ليس مضطرة لذلك، لكون أرضها غير محتلة ولا حاجة لها بأن تتعامل وفق الصيغة العربية المعروفة منذ أربعة عقود”الأرض مقابل السلام”. لذلك وقعت اتفاقا لتبادل السفراء، وتطبيع كامل سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، وسط دهشة جيرانها كالكويت ثم العربية السعودية، ومن باب أولى مصر العدو اللدود للكيان رغم وجود معاهدة سلام معه. ولرغبتها في التفرد عن جارتها البحرين التي سعت في نفس الاتجاه، ركضت الإمارات بشكل أكبر نحو التطبيع الإبراهيمي، حتى باتت أخبار الدولة اليومية عن التعاون الأمني والاستخباراتي والعسكري، وكذلك التدريب وتوريد أنظمة الدفاع إليها من الكيان أمر طبيعي، غير مثير لا للمواطن العربي، الذي مرد على الإشمئزاز من هذا المسلك، ولا للدولة “بئر النفط” التي لم تسأم أن تكون ويكون جيرانها العرب إلى جوارها في حالة توافق فقط، بل وأيضا مخلب قط للكيان الصهيوني.
ما سبق يدمر بلا شك نظرية الأمن القومي العربي، لكون الإمارات ما برحت عدة سنوات أن تلعب دورا محوريا كعراب للمشروع الصهيوني الجانح للتوسع فيما بات يُعرف بالشرق الأوسط الجديد.
نهب ثروات الجيران
وسعيا وراء المزيد من الفرص الاقتصادية، التي كان يمكن أن تحدث من خلال استثمارات طبيعية في البلدان المجاورة، وتبادل تجاري، قامت الإمارات بتعجل وبنهم في الهيمنة على أرض وثروات الغير، أملا في الحصول على ممتلكات إضافية، وكأن الوفورات النفطية بها قد نضُبت ولم تُعد كافية لرقيها اقتصاديا، رغم أنها أصبحت في العقود الأربع الأخيرة محط ومقر لآلاف الشركات الدولية التي تعقد الصفقات وتدير استثمارات في مختلف المجالات.
نقبت الإمارات عن ثروات الذهب في السودان، إلى أن زادت واردتها منه خلال الحرب في السودان بنسبة 70%، فأصبحت دبي مركزا رئيسا لتجارته عالميا. وجدت الإمارات ضالتها الكبرى لتحقيق كل ذلك في الإيقاع بين طرفي الصراع في السودان، أي الجيش المماطل في تسليم السلطة للمدنيين، وقوات الدعم السريع المنقلبة على قيادة الجيش. كان أثر ذلك أن طال أمد الصراع بين الجانبين، وتعرضت السودان لتخريب ودمار وتشريد ممتلكات قائم حتى اليوم. إذ بسبب الدعم العسكري المقدم لقوات الدعم السريع -المنفلتة- خاصة عبر المسيرات والأسلحة الممولة إمارتيا، أن قام الطرف الأخير بارتكاب عديد المذابح بحق المدنيين، ناهيك عن نزوح مئات الآلاف من مساكنهم، وأعمال التعذيب والتجويع والملاحقة التي نددت بها المنظمات الحقوقية الدولية الرسمية وغير الرسمية، وقدمت السودان بشأنها عديد الشكاوى إلى الأمم المتحدة.
نفس الأمر جرى في الشطر الجنوبي من اليمن، قبل أن تقوم العربية السعودية بالقضاء عليه مطلع العام 2026. حيث استغلت الإمارات تواجدها ضمن قوات عاصفة الحزم في مارس2015 التي تواجه انقلاب جماعة أنصار الله الحوثي، وتغلغلت في عصب الشطر الجنوبي، فانشأت عام2017 المجلس الانتقالي الجنوبي، والذي كان ذراع الدولة لنهب ثروات الجنوب من الذهب من “وادي مدان”، ناهيك عن عديد المعادن واستغلال الأنشطة السياحية والثروة السمكية للبلاد، وكذلك رغبة الإمارات في الهيمنة على الموانى البحرية اليمنية ومضيق باب المندب، بهدف المشاركة في السيطرة على البحر الأحمر، خاصة مع انتقالها لشرق أفريقيا، من خلال التعاون مع إريتريا وتحديدا عبر التواجد العسكري في “عصب”.
مناكفة مصر في محيطها الإقليمي
علاوة على مسألة السودان، قامت الإمارات بمناكفة مصر “الشقيقة الكبرى”، باللعب في امتدادها الاستراتيجي، وأمنها المائي، حيث قامت ولا تزال بتعاون المكثف مع إثيوبيا. وقد لعبت المسيرات الإماراتية دورا كبيرا في لدعم نظام أبي أحمد أكثر من مرة، كان أحدها عندما أشرف على السقوط في الحرب التي دارت بينه وبين ثوار إقليم التجراي في نوفمبر2020، وهو العام الأول الذي بدأت فيه أثيوبيا ملء سد النهضة الذي ترغب أثيوبيا من خلاله انتزاع حقوق مصر المائية في نهر النيل المصدر شبة الوحيد للحياة في مصر.
تعاون الإمارات وأثيوبيا لا يخفى على الكثيرين، وهو أمر علني، يتنافى تماما مع سياسة أبو ظبي المعلنة بالتعاون مع القاهرة في مجالات اقتصادية كثيرة، وهو التعاون المفترض أنه يجُب من حيث الكم والكيف التعاون مع أثيوبيا.
نفس الأمر مع ليبيا، فعقب أن قامت الثورة الليبية ضد نظام معمر القذافي عام 2011، سعت الإمارات منذ العام2014، وبحجة مواجه نشاط الإخوان المسلمين في ليبيا للتغلغل داخل هذا البلد، فقامت بدعم قوات “حفتر” في مواجهة “حكومة الوفاق الوطني السابقة”، فأمدت الأول بالسلاح والعتاد، وهو ما استخدم في قتل المدنيين وقصف المؤسسات في غرب ليبيا. وقد أسهم كل ذلك في إطالة النزاع وتشدد الأطراف المتحاربة في التوصل لاتفاق سياسي كانت مصر تسعى إليه، وهو ما ساهم في إسقاط الاتفاق السياسي الموقع عام 2020. الإمارات اليوم استمرأت على غير رغبة القاهرة في لعب هذا الدور التخريبي.
دور فوضوي لن ينته
هكذا لعبت الإمارات دورا فوضويا بامتياز خلال العقد الأخير، ويبدو عقب قرار خروجها من أوبك وأوبك+ أن هذا الدور سيستمر لفترة، لكن محوره على الأرجح سيكون المزيد من الخلافات مع العربية السعودية، التي لم تنس الأولى أنها أخرجتها من اليمن بشكل مهين. من هنا سيبقى التصعيد -على الأرجح- في الأشهر القادمة سيد الموقف.