
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وشبكة أذرعها الإقليمية من جهة أخرى، مرحلة أكثر حدّة يمكن وصفها بمرحلة “تكسير العظام” الاستراتيجي. فبينما تحاول طهران إدارة التصعيد عبر مقترحات متأخرة أو معدّلة لاحتواء الضغوط، يبدو أن واشنطن وتل أبيب انتقلتا من منطق الاحتواء والتفاوض إلى منطق فرض الوقائع على الأرض.
- ترامب وإعادة تعريف المعادلة: نهاية فصل “الدولة عن الوكلاء”
في تحول لافت، صرّح دونالد ترامب في مقابلة مع موقع “أكسيوس” بأن إيران وذراعها حزب الله “دمّرا لبنان”. هذه العبارة، في سياقها الاستراتيجي، لا تُقرأ كتصريح سياسي عابر، بل كتأسيس لمقاربة جديدة:
لم يعد ممكناً فصل الدولة الإيرانية عن أذرعها الإقليمية.
بهذا المنطق، يتم إسقاط سياسة “تجزئة الملفات” التي طالما ميّزت المقاربات الغربية، لصالح معادلة جديدة تُحمّل طهران المسؤولية المباشرة عن سلوك شبكتها الإقليمية، بما يعني أن “مظلّة الدولة” لم تعد تحمي الوكلاء، والعكس صحيح.
- الميدان أولاً: إسرائيل كأداة تفكيك تدريجي
في الوقت الذي تقدم فيه طهران مقترحات تهدئة محسوبة، تتحرك إسرائيل ميدانياً ضمن مسار يبدو أقرب إلى تنفيذ عملي لنهج الضغط الأقصى.
العمليات المتواصلة ضد حزب الله لا تُقرأ فقط في إطار المواجهة العسكرية، بل ضمن رؤية أوسع تهدف إلى:
- تقليص البنية العسكرية لشبكات النفوذ الإيرانية
- تقليص أوراق القوة التفاوضية لطهران
- نقل مركز الثقل من التفاوض السياسي إلى إعادة تشكيل الواقع الميداني
وبذلك يتحول الصراع من إدارة “أزمات قابلة للاحتواء” إلى عملية تفكيك تدريجي لبنية النفوذ الإقليمي الإيراني.
- ثوابت واشنطن ومناورة طهران
الثابت الأمريكي:
تبدو المقاربة الأمريكية—وفق هذا المسار—قد انتقلت من إدارة الصراع إلى السعي لإنهائه بشروط بنيوية، تشمل:
- تفكيك البرنامج النووي الإيراني أو تحجيمه جذرياً
- إعادة ضبط قواعد الأمن في الممرات البحرية، خصوصاً مضيق هرمز
- إنهاء أو تحجيم نفوذ الأذرع الإقليمية لطهران
أي أن الهدف لم يعد “اتفاقاً مؤقتاً”، بل إعادة هندسة شاملة لموازين القوة.
المتغير الإيراني:
في المقابل، تتحرك طهران ضمن مقاربة دفاعية مرنة تقوم على:
- تقديم مقترحات تفاوضية متغيرة
- إدارة الوقت بدل الحسم
- تفادي الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة
وذلك في ظل ضغط متصاعد على أكثر من ساحة.
- مضيق هرمز: من ممر اقتصادي إلى ساحة تعريف السيادة
يبقى ملف مضيق هرمز أحد أكثر نقاط الاشتباك حساسية في هذه المعادلة.
- ترى واشنطن وحلفاؤها أن أي تغيير في قواعد الملاحة هناك يمثل تهديداً مباشراً للأمن العالمي للطاقة والتجارة
- بينما تعتبره طهران جزءاً من سيادتها وأمنها القومي
وبذلك يتجاوز الخلاف البعد الجغرافي، ليدخل في صلب الصراع على تعريف الشرعية الدولية وحدود السيادة.
الخلاصة
يتشكل المشهد الحالي على ثلاث طبقات متداخلة:
- إسرائيل: تتحرك كذراع تنفيذية على الأرض
- الولايات المتحدة: تقود الإطار الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي
- إيران: تعتمد على المناورة وتعدد الساحات لتقليل الخسائر
لكن التحول الأخطر يكمن في أن ربط مصير الأذرع الإقليمية بمصير الدولة نفسها يعيد صياغة طبيعة الصراع، من مواجهة بالوكالة إلى مواجهة تمس البنية الاستراتيجية للنظام الإقليمي برمته.
خاتمة
بين التصعيد الميداني الإسرائيلي، والضغط الأمريكي المتصاعد، والمناورات الإيرانية المتأرجحة، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة إعادة تشكيل شاملة في ميزان الأمن الإقليمي.
وما يجري اليوم قد لا يقتصر على إدارة صراع قائم، بل قد يمتد ليعيد رسم خرائط النفوذ من شرق المتوسط إلى عمق التوازن الإيراني نفسه







