ثقافة وفنونذاكرة التاريخ

نعمان باشا الأعصر… حين يصبح الرجل وطنًا في صورة إنسان

لم يكن نعمان باشا الأعصر مجرد اسمٍ في سجل الأعيان، ولا رقمًا عابرًا في تاريخ مدينة، بل كان حالةً إنسانيةً متكاملة، اجتمع فيها رجل القصر والشعب، رجل الدولة والفرد، فصار نموذجًا نادرًا لرجلٍ يعرف كيف يعلو دون أن ينفصل، وكيف يقترب دون أن يفقد هيبته.

كان عاشقًا لمدينته، المحلة الكبرى، لا يراها مجرد مكان، بل كيانًا حيًا يستحق أن يُبذل له الجهد، وأن تُسخّر له الإمكانات، أحبها فأحبته، وخدمها فخلّدته في وجدانها، كما خلّدت رفقاء دربه من رجالاتها الأوفياء، أمثال عبد الحي خليل باشا، وآل قادوس، والحاج محمود رشاد، وغيرهم ممن آمنوا بأن المدن لا تُبنى بالكلام، بل بالفعل.

وكان من أولئك الذين يُحسنون قراءة اللحظة، واغتنام الفرصة حين تلوح، فعندما عزم طلعت حرب باشا على إنشاء صرحٍ صناعيٍ عملاق للغزل والنسيج، وتنافست المدن لنيل هذا الشرف، لم يتردد نعمان الأعصر ومن معه، وتقدّموا بملفٍ لم يكن مجرد أوراق، بل رؤية متكاملة، عرضوا فيه مزايا المحلة وإمكاناتها واستعدادها لاحتضان المشروع، فكان اختيار المدينة حتميًا، وكأن التاريخ نفسه انحاز إلى من أحسن الاستعداد له.

ومن هنا بدأت الحكاية الكبرى.

في عام 1927، انطلقت شرارة شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، على مساحة متواضعة سرعان ما اتسعت حتى غدت مدينةً داخل مدينة، وقلعة داخل حصن. وفي 23 أبريل 1931، افتُتح المصنع رسميًا بحضور الملك فؤاد الأول، ليُعلن ميلاد عهدٍ جديد، تحوّلت فيه المحلة إلى قلعةٍ صناعية تنافس كبرى المدن العالمية، حتى استحقت عن جدارة لقب “مانشستر مصر”.

لم يكن ذلك النجاح وليد المصادفة، بل ثمرة وعيٍ عميق، فالمحلة كانت تملك عمالةً ماهرة أُعدّت منذ وقتٍ مبكر عبر مدارس النسيج، وتملك أرضًا تُنبت أجود أنواع الأقطان، وتملك رجالًا أدركوا أن الاستقلال عن الإنجليز لا يكون سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا، وهنا خاض نعمان الأعصر ورفاقه معركة من نوعٍ آخر؛ معركة التحرر من هيمنة الشركات الأجنبية ومن استغلال المحتل لثروات البلاد.

وحين التقت فكرة طلعت حرب باشا مع إرادة رجالٍ مخلصين، كان النجاح نتيجةً طبيعية، لا مفاجأة.

لكن عظمة نعمان الأعصر لم تتوقف عند حدود الاقتصاد، لم تغره الباشاوية، ولا عضوية مجلس الشيوخ، ولا قربه من دوائر الحكم، بل اختار أن يكون أقرب إلى الناس، كان يرى في خدمة الفقراء شرفًا، وفي نصرة الضعفاء واجبًا، فكتب اسمه لا على الجدران، بل في القلوب.

امتدت آثار هذا المشروع الصناعي إلى كل تفاصيل الحياة؛ فبُنيت المساجد، وأُنشئت المستشفيات، وشُيّدت الملاعب مثل استاد غزل المحلة، وتوفرت الخدمات التي صنعت مجتمعًا متكاملًا حول المصنع، ولم يكن ذلك ترفًا، بل إدراكًا بأن الصناعة لا تقوم على الآلات وحدها، بل على الإنسان.

ومع تدفق العمال من القرى والنجوع، كان لا بد من بنيةٍ تليق بهذا التحول، فأنشئت الطرق، وشُيّدت الجسور، وتطورت الإدارة المحلية بإنشاء المجلس البلدي، الذي ساهم بدوره في دعم المؤسسات التعليمية، ومنها معهد المحلة الديني.

كما كان لنعمان الأعصر دور في دعم البنية المالية، فأسهم في إنشاء أحد أوائل فروع بنك مصر، إدراكًا منه أن الاقتصاد شبكة متكاملة لا يقوم طرفٌ منها دون الآخر.

ورغم أننا لا نملك تاريخًا دقيقًا لميلاده، إلا أن أثره يغنينا عن التواريخ، فقد وُلد في أواخر القرن التاسع عشر، في بيئةٍ ريفيةٍ صاغت وجدانه، وربطته بالأرض والناس، فبقي وفيًا لها حتى صار جزءًا من ذاكرتها.

ولأن الشعوب الحية لا تنسى، فقد حفظت المحلة اسم نعمان الأعصر في ميادينها، وفي حكاياتها، وفي ذاكرة أبنائها. لم يكن رجلًا سعى إلى مجدٍ شخصي، بل ساهم في صنع مجد مدينة بأكملها، لم يكن خطيبًا يكثر القول، بل فاعلًا يُجيد العمل، آمن أن النهضة تُبنى بالعلم والتخطيط، لا بالعشوائية، وبالإرادة لا بالأمنيات.

وهكذا، لم يكن نعمان باشا الأعصر مجرد رجلٍ مرّ في التاريخ… بل كان فصلًا كاملًا منه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى