مصر

الدكتور أيمن نور يكتب: على حافة الانفجار… هرمز يختنق والدبلوماسية تتراجع أمام منطق القوة

يزدادُ المشهدُ الإقليميُّ توتُّرًا مع مطلعِ مايو، في لحظةٍ تبدو فيها المنطقةُ كأنها تقتربُ من حافةٍ لا تُرى نهايتها. لم تعدِ الأزمةُ مجرّدَ تفاعلٍ بين سياسةٍ متعثّرةٍ وميدانٍ مشتعل، بل تحوّلت إلى واقعٍ أكثر قسوةً: تآكلٌ في فرص الحل، وتصاعدٌ في لغة القوة، وانسحابٌ بطيءٌ لكل ما يشبهُ الأمل في تسويةٍ قريبة.

قرارُ الولاياتِ المتحدة إلغاءَ جولةِ التفاوض مع إيران لم يكن خطوةً عابرة، بل بدا كأنه إعلانٌ صريحٌ بأن الطريقَ السياسيَّ قد انسدّ، أو كاد. في المقابل، تتمسّكُ طهرانُ برفض أي حوارٍ يجري تحت ضغط الحصار والعقوبات، فيتّسعُ الشرخُ بين الطرفين، لا في الشروط فقط، بل في فهم كلٍّ منهما لطبيعةِ الصراعِ ذاته.

عند هذا الحدّ، يتقدّمُ مضيقُ هرمز إلى الواجهة، لا كممرٍّ مائيٍّ عابر، بل كقلبٍ نابضٍ للأزمة. ما يجري هناك من احتجازِ سفنٍ، وإطلاقِ نارٍ تحذيريّ، وتفتيشٍ قسري، يكشفُ أن هذا الشريانَ الحيوي لم يعد آمنًا كما كان، وأن قواعد الملاحة بدأت تتراجع أمام قواعد الاشتباك.

ليست خطورةُ هرمز فيما يمرّ عبره من نفطٍ فقط، بل فيما يرمزُ إليه من توازنٍ عالميٍّ دقيق. كلُّ سفينةٍ تتوقّف، وكلُّ شحنةٍ تتأخر، تتركُ أثرًا مباشرًا على الأسواق، وترفعُ منسوب القلق، وتدفعُ العالمَ خطوةً إضافيةً نحو أزمةٍ لا تخصُّ منطقةً بعينها، بل تمتدّ ظلالُها إلى الجميع.

في الخلفية، يواصلُ لبنانُ دوره كمرآةٍ حسّاسةٍ للصراع. الضرباتُ الإسرائيلية لا تتوقّف، وردودُ حزب الله تُبقي الجبهةَ مفتوحةً على احتمالاتٍ لا يمكنُ ضبطها بسهولة. لم يعد ما يجري هناك تفصيلًا، بل بات جزءًا أصيلًا من معادلةٍ أكبر، يتأثّر بها ويؤثّر فيها.

خطورةُ هذه الجبهة أنها لا تخضعُ لإيقاعٍ سياسيٍّ واضح، بل تتحرّكُ وفق نبض الميدان، حيث القرارُ أسرع، والتصعيدُ أقرب، والتراجعُ أصعب. استمرارُ هذا الوضع يجعلُ أي محاولةٍ لاحتواء التوتر مع إيران تبدو ناقصةً، وربما غير قابلةٍ للحياة.

اللافتُ أن الصراعَ لم يعد جبهاتٍ متفرقة، بل أصبح شبكةً واحدةً متداخلة. ما يحدثُ في الخليجِ ينعكسُ على الجنوب اللبناني، وما يتصاعدُ هناك يعودُ صداه إلى حساباتِ القوى الكبرى. هذا الترابطُ يجعلُ من كلِّ حركةٍ صغيرةٍ احتمالًا لتحوّلٍ كبير.

على الصعيد الاقتصادي، تبدو الصورةُ أكثر وضوحًا. أسعارُ النفط ترتفع، الأسواقُ ترتبك، وسلاسلُ الإمداد تتعثّر. العالمُ لم يعد يراقبُ الأزمةَ من بعيد، بل يعيشُها يومًا بيوم، ويدفعُ كلفتها في تفاصيل حياته اليومية.

في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن المنطقةَ دخلت مرحلةً جديدة: لا هي حربٌ شاملة، ولا هي سلامٌ قابلٌ للاستمرار، بل حالةٌ معلّقةٌ بين الاثنين، تتقدّم فيها خطواتُ التصعيد أسرع من أي جهدٍ للتهدئة.

التوازنُ القائم الآن هشٌّ إلى حدٍّ بعيد؛ كلُّ طرفٍ يحاولُ أن يتجنّبَ الانفجار الكبير، لكنه في الوقت ذاته يقتربُ منه، مدفوعًا بحسابات القوة، وضغوط الواقع، وغياب البدائل.

ويبقى السؤالُ الذي يفرضُ نفسه بإلحاح: هل يتحوّلُ الاحتكاكُ في مضيق هرمز إلى مواجهةٍ مباشرةٍ بين الولايات المتحدة وإيران؟ الإجابةُ ليست سهلة، لكنها، إن جاءت، لن تغيّر مسار الأزمة فحسب، بل قد تعيدُ رسم ملامح المنطقة… وربما العالم بأسره.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى