
لم تعد المسألة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى قوة كبرى؛ فهذا محسوم في المدى المنظور. السؤال الأدق اليوم هو: هل ما تزال واشنطن قادرة على منح حلفائها الإحساس القديم نفسه بالأمان؟ من أوروبا إلى الخليج وشرق آسيا، تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا. أمريكا باقية، لكنها لم تعد وحدها ضمانة كافية، ولا مظلة يمكن الوقوف تحتها بلا حسابات.
منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تسارعت نقاشات كانت تتراكم منذ سنوات حول كلفة الحماية الأمريكية، وحدود الالتزام العسكري الأمريكي، وما يمكن أن يحدث إذا تغيّر المزاج السياسي في واشنطن مع كل دورة انتخابية. لا يعني ذلك أن الحلفاء قرروا مغادرة المعسكر الأمريكي، بل إنهم بدأوا يتعاملون مع الولايات المتحدة كقوة ضرورية، لكنها غير مضمونة بالكامل.
ترامب كعامل تسريع لا كسبب وحيد
لم يبدأ تراجع الاطمئنان إلى المظلة الأمريكية مع ترامب وحده. فقد سبقته تحولات أعمق: صعود الصين، الحرب الروسية على أوكرانيا، الإرهاق الأمريكي من التدخلات الطويلة، وتزايد النزعة الانعزالية داخل السياسة الأمريكية. لكن ترامب جعل هذه الشكوك أكثر علنية، لأنه أعاد تعريف العلاقة مع الحلفاء بمنطق الصفقات: من يدفع أكثر؟ من يشتري أكثر؟ ومن يخدم أولويات واشنطن المباشرة؟
ولهذا، لم تعد عواصم كثيرة تقرأ العلاقة مع الولايات المتحدة كتعهد مفتوح، بل كترتيب قابل للتفاوض. القوة الأمريكية لم تتبخر، لكن الثقة في دوام استخدامها لصالح الحلفاء تراجعت. وهذه هي نقطة التحول الأساسية: الخلاف ليس حول حجم القوة الأمريكية، بل حول إمكانية الاعتماد عليها عند اللحظة الحرجة.
أوروبا تنتقل من الاتكال إلى الاستعداد
أوضح مؤشر على هذا التحول يأتي من أوروبا. ففي قمة لاهاي في يونيو 2025، وافق قادة حلف شمال الأطلسي على التزام جديد يقضي باستثمار 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا في الدفاع والأمن بحلول عام 2035. ووفق إعلان الحلف، يتوزع هذا الرقم بين 3.5% للإنفاق الدفاعي الأساسي، و1.5% للإنفاق الأمني والدفاعي الأوسع، بما يشمل البنية التحتية والجاهزية والقدرات المرتبطة بالأمن. هذا القرار لا يعكس زيادة مالية فقط، بل اعترافًا سياسيًا بأن أوروبا لم تعد قادرة على التعامل مع الحماية الأمريكية كأنها ضمانة بلا كلفة.
الاتحاد الأوروبي بدوره طرح خطة ReArm Europe / Readiness 2030، التي تهدف إلى تعبئة أكثر من 800 مليار يورو لتعزيز الدفاع الأوروبي. وتشير وثائق البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية إلى أن الخطة تقوم على مرونة مالية للدول الأعضاء، وأداة قروض بقيمة 150 مليار يورو للمشتريات الدفاعية المشتركة، مع توسيع دور بنك الاستثمار الأوروبي في دعم قطاع الدفاع. هذه الخطة لا تجعل أوروبا قوة عسكرية موحدة فورًا، لكنها تكشف أن القارة بدأت تفكر في سيناريوهات كان يجري تجنبها سابقًا: ماذا لو تأخرت واشنطن؟ ماذا لو ساومت؟ ماذا لو قررت إدارة أمريكية أن الدفاع عن أوروبا لم يعد أولوية؟
ثم جاءت خطوة سحب 5000 جندي أمريكي من ألمانيا، كما نقلت رويترز في مايو 2026، لتزيد وضوح هذا الاتجاه. وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس اعتبر القرار سببًا إضافيًا يدفع الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم. الخلاصة هنا ليست أن واشنطن تغادر أوروبا، بل أن الوجود العسكري الأمريكي نفسه أصبح جزءًا من التفاوض السياسي، لا عنصرًا ثابتًا خارج الحسابات.
الخليج يبحث عن شبكة أمان أوسع
في الخليج، الصورة أكثر حساسية. الولايات المتحدة ما تزال شريكًا أمنيًا لا يمكن تجاوزه، خصوصًا في الدفاع الجوي، والتسليح، والاستخبارات، وحماية الممرات البحرية. لكن التطورات الإقليمية الأخيرة جعلت بعض الافتراضات القديمة أكثر هشاشة. فالتصعيد المرتبط بإيران كشف أن القواعد والرادارات وأنظمة الدفاع الأمريكية مهمة، لكنها لا تمنع بالضرورة تحوّل دول الخليج إلى ساحة مكشوفة أمام كلفة التصعيد.
رويترز وصفت ما جرى في الخليج، في أبريل 2026، بأنه اختبار قاسٍ لافتراضات أمنية ظلّت لعقود تُناقش غالبًا كاحتمالات نظرية، مشيرة إلى أن هشاشة مضيق هرمز، والبنية التحتية للطاقة، وقدرة إيران على الضغط على الممرات الحيوية، تحولت من مخاطر بعيدة إلى واقع ملموس. كما لفتت الوكالة إلى أن الأزمة أظهرت حدود “المقايضة الأمنية” القديمة في الخليج: استضافة قواعد وقوات ورادارات أمريكية مقابل الحماية.
وبحسب تحليل رويترز، فإن الأنظمة الأمريكية أثبتت أهميتها في الدفاع، لكن الارتباط بواشنطن جعل دول الخليج أيضًا أكثر عرضة لأن تصبح هدفًا مباشرًا في التصعيد. لذلك بدأت بعض العواصم الخليجية، وفق التقرير نفسه، البحث عن تنويع الشراكات الأمنية، من أنظمة الرادار الأوروبية إلى التعاون في تقنيات مكافحة المسيّرات، مع بقاء السؤال مفتوحًا حول مدى اتساع هذا التنويع ليشمل قوى أخرى.
الأدق إذن أن العلاقة الخليجية الأمريكية لا تنتهي، بل يعاد تصميمها. فدول الخليج تواصل شراء الأسلحة الأمريكية، وتبقي شراكاتها العسكرية مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تفتح مسارات إضافية مع أوروبا وآسيا، وتدير علاقاتها مع الصين وروسيا ببراغماتية أكبر. إنها ليست لحظة خروج من المظلة الأمريكية، بل لحظة إضافة مظلات أخرى، ولو كانت أصغر وأقل اختبارًا.
آسيا تسأل عن الردع الأمريكي
في شرق آسيا، حيث تعتمد اليابان وكوريا الجنوبية منذ عقود على المظلة النووية الأمريكية في مواجهة الصين وكوريا الشمالية وروسيا، بدأت أسئلة كانت تبدو محرّمة تعود إلى النقاش العام. رويترز نشرت في أغسطس 2025 تحقيقًا عن أن “صدمة ترامب” دفعت اليابان إلى التفكير فيما كان غير قابل للتفكير سابقًا، بما في ذلك نقاشات داخل النخب حول الخيارات النووية. كما أشار التقرير إلى أن القلق امتد إلى كوريا الجنوبية، حيث تتزايد التساؤلات بشأن موثوقية الضمانات الأمريكية التقليدية.
لكن يجب التعامل مع هذه النقطة بحذر. هذه النقاشات لا تعني توجهًا رسميًا نحو امتلاك السلاح النووي، ولا تعني أن طوكيو أو سيول خرجتا من التحالف الأمريكي. ما تغير هو طبيعة النقاش. حين تبدأ دول اعتمدت لعقود على الردع الأمريكي في طرح سؤال “ماذا لو لم تأتِ أمريكا؟”، فهذا يعني أن مفهوم الضمانة الأمريكية نفسه يتعرض لاختبار سياسي ونفسي، حتى لو بقيت الاتفاقيات العسكرية قائمة.
وفي أبريل 2026، نشرت رويترز تقريرًا عن اهتمام حلفاء واشنطن بفتح سوق السلاح اليابانية، في ظل القلق من الاعتماد الزائد على الولايات المتحدة ومن ضغط الحروب على سلاسل الإمداد الأمريكية. ثم نقلت الوكالة في تقرير لاحق أن اليابان أقرّت أكبر تعديل منذ عقود على قواعد تصدير السلاح، بما يفتح الباب أمام صادرات عسكرية أوسع. هذا يعزز الاتجاه نفسه: الحلفاء لا يغادرون واشنطن، لكنهم يحاولون تقليل هشاشة الاعتماد عليها وحدها.
أزمة الثقة تتجاوز الحكومات
أزمة الثقة في الدور الأمريكي لا تقتصر على الحكومات. استطلاع مركز بيو للأبحاث في أبريل 2026 أظهر أن 53% من الأمريكيين يرون أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تراعي مصالح الدول الأخرى كثيرًا أو لا تراعيها إطلاقًا، وهي نسبة ارتفعت بحدة مقارنة بعام 2023. عندما يرى جزء كبير من الرأي العام الأمريكي نفسه أن سياسة بلاده لا تأخذ مصالح الآخرين في الاعتبار، يصبح من الطبيعي أن يتعامل الحلفاء مع واشنطن بحذر أكبر.
وفي يونيو 2025، أظهر استطلاع آخر لمركز بيو شمل 24 دولة أن صورة الولايات المتحدة تراجعت في كثير من الدول، وأن الثقة في قيادة ترامب للشؤون العالمية منخفضة في معظم الدول التي شملها الاستطلاع. وذكر المركز أن أكثر من نصف البالغين في 19 دولة من أصل 24 لا يثقون بقيادة ترامب في الشؤون العالمية. هذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن التحالفات لم تعد تُقاس فقط بعدد القواعد العسكرية أو حجم صفقات السلاح، بل أيضًا بمدى الثقة في استقرار القرار السياسي الأمريكي.
القوة العسكرية الأمريكية ما تزال هائلة. الاقتصاد الأمريكي ما يزال مركزيًا. وشبكة التحالفات الأمريكية ما تزال الأكبر عالميًا. لكن الحلفاء لا يسألون اليوم: هل أمريكا قوية؟ بل يسألون: هل ستستخدم هذه القوة لصالحنا عندما نحتاجها؟ وهل يمكن بناء أمن طويل الأمد على سياسة قد تتغير جذريًا كل أربع سنوات؟
عالم متعدد المراكز
تقرير ميونيخ للأمن لعام 2025 استخدم مفهوم “التعددية القطبية المتسارعة” لوصف التحول في النظام الدولي. التقرير يرى أن العالم يتحرك نحو تعدد أكبر في مراكز القوة، لكنه يحذر من أن هذا التحول لا ينتج بالضرورة نظامًا أكثر استقرارًا، بل قد يزيد التنافس والتشظي بين القوى الكبرى.
هذا يفسر سلوك الحلفاء. هم لا يتركون أمريكا لأنهم وجدوا بديلًا مثاليًا. الصين ليست بديلًا أمنيًا مريحًا لمعظمهم، وروسيا طرف صدامي في أوروبا، والاتحاد الأوروبي لم يتحول بعد إلى قوة دفاعية موحدة، والقوى الإقليمية لا تستطيع وحدها توفير منظومات حماية واسعة. لذلك لا يبحث الحلفاء عن بديل كامل لأمريكا، بل عن هامش أمان من تقلباتها.
ليبيا والمنطقة بين الحضور الأمريكي وحدود الضمان
ينسحب هذا التحول على الشرق الأوسط وليبيا من زاوية القراءة السياسية، لا من باب وجود إعلان أمريكي مباشر يقول إن واشنطن ستتخلى عن دورها. الولايات المتحدة ستبقى حاضرة في ملفات الطاقة، ومكافحة الإرهاب، واحتواء النفوذ الروسي والصيني، وحماية الممرات البحرية، ودعم المسارات الأممية عندما تخدم مصالحها. لكنها لن تكون بالضرورة مستعدة لدفع كلفة مفتوحة لبناء دول أو إدارة أزمات سياسية مزمنة بلا عائد واضح.
في ليبيا، تظهر واشنطن كفاعل مؤثر لا كضامن شامل. ففي أبريل 2026، تبنت الولايات المتحدة، إلى جانب إيطاليا ومصر وفرنسا وألمانيا وقطر والسعودية وتركيا والإمارات وبريطانيا، بيانًا مشتركًا بشأن توقيع أول موازنة وطنية موحدة في ليبيا منذ أكثر من عقد. البيان اعتبر الاتفاق خطوة مهمة لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين قادة الشرق والغرب، وقال إن التنفيذ الكامل للموازنة يمكن أن يدعم الاستقرار المالي ويقوي مؤسسات رئيسية مثل المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة. هذا يعكس اهتمامًا أمريكيًا ودوليًا بالاستقرار المالي والمؤسسي، لكنه لا يعني أن واشنطن تملك أو تريد وحدها هندسة الحل الليبي من بدايته إلى نهايته.
بالتوازي، تؤكد خارطة الطريق الأممية في ليبيا أن المسار السياسي يقوم على ثلاثة أعمدة: إطار انتخابي قابل للتنفيذ، توحيد المؤسسات عبر حكومة موحدة، وحوار مهيكل يسمح بمشاركة أوسع لليبيين في ملفات الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة. هذا يعني أن الإطار المعلن للحل لا يزال أمميًا وليبيًا بالأساس، حتى مع وجود دعم أو ضغط أمريكي في بعض الملفات.
وتزداد أهمية هذه القراءة لأن ليبيا ما تزال ساحة مفتوحة لتنافس خارجي وتسليح متجدد. رويترز نشرت في أبريل 2026 تقريرًا عن حصول قوات خليفة حفتر على ما يبدو أنها طائرات مسيّرة قتالية صينية وتركية، رغم حظر السلاح الأممي المفروض على ليبيا منذ عام 2011. التقرير استند إلى صور أقمار صناعية وتحليل خبراء، وأشار إلى ظهور طائرات في قاعدة الخادم بين أواخر أبريل وديسمبر، ما يعكس استمرار تأثير الدعم الخارجي وتدفقات السلاح في معادلة القوة داخل ليبيا.
لذلك، أي طرف ليبي يراهن على أن الولايات المتحدة ستأتي وحدها لفرض تسوية نهائية يقرأ التحول الدولي بطريقة ناقصة. واشنطن قد تضغط، تعاقب، تدعم مسارًا أمميًا، تفتح قناة تفاوضية، أو تدفع نحو ترتيبات مالية وأمنية. لكنها لن تتحول تلقائيًا إلى مظلة كاملة تحمي الجميع وتبني الدولة بالنيابة عن الليبيين.
في عالم يعيد فيه حلفاء واشنطن الكبار حساباتهم، يصبح الرهان الليبي على “الحل الأمريكي وحده” قراءة ناقصة لموقع واشنطن الجديد: فاعل مؤثر، لا ضامن شامل.
نهاية الطمأنينة لا نهاية أمريكا
لم ينتهِ عهد الولايات المتحدة، لكنه لم يعد عهد الاعتماد الكامل عليها. المظلة الأمريكية ما تزال قائمة، لكنها أصبحت أكثر كلفة، وأكثر اشتراطًا، وأكثر عرضة للتقلب السياسي. أوروبا تعيد تسليح نفسها، الخليج يوسع شراكاته الأمنية، وآسيا تعيد طرح أسئلة الردع، بينما تكشف استطلاعات الرأي أن الثقة في القيادة الأمريكية لم تعد كما كانت.
العالم لا يعيش نهاية أمريكا، بل نهاية الطمأنينة القديمة تجاهها. فواشنطن ما تزال القوة الأهم في حسابات الحلفاء، لكنها لم تعد المظلة الوحيدة التي يمكن الوقوف تحتها بلا حسابات. لذلك لا تبحث العواصم الحليفة عن بديل كامل لأمريكا، بل عن هامش أمان من تقلباتها.







