
تابعت مؤخرا مداخلة تلفزيونية للصديق العزيز الدكتور رفيق عبد السلام، قدّم فيها مجدّدا قراءته لأسباب انتكاسة عشرية الانتقال الديمقراطي، أو ما سمّاه بتوقّف “ثورات الربيع العربي” في المنتصف، ورغم التقائي غالبا مع الدكتور رفيق في زوايا نظر كثيرة لقضايا الوطن والأمّة والعالم، يهمني إثارة بعض نقاط الاختلاف بيننا، من باب الحرص على إثراء النقاش حول مرحلة ساهمنا في بعض فصولها معاً، واعتقد ان تاريخها لن يكتب قريبا لسبب بسيط وهو أننا عمليا لم نخرج من مجالها بعد، ويصعب على المرء أن يكون موضوعيا تماما ما دام يمثل طرفا من أطراف الصراع حولها، وحتى لا أطيل – من باب مراعاة طبيعة القارئ الفايسبوكي ما استطعت- فإنني سأمرّ إلى تبيين ما اعترضت عليه فيما ورد في مداخلة الصديق العزيز:
- أوّلا، قوله أن أحد أسباب اطالة عمر التجربة التونسية قياسا بنظيرتها المصرية، هو استيعابهم (في حركة النهضة) لشخصية الباجي قائد السبسي رحمه، وتقديري أن في هذا القول بعض التجاوز، وهو من التقديرات الخاطئة – في رأيي- الغالبة على جمهور الإسلاميين، ومنها انطلاقهم من قناعة مهيمنة مفادها أنهم “مركز” المشروع الثوري والديمقراطي وليسوا طرفا أساسيا في المعادلة إلى جانب أطراف أخرى. وفي موضوع “الديمقراطية” تحديدا أزعم أن سي الباجي والتيّار الذي جاء منه (من داخل الحزب الدستوري) أسبق إلى المطالبة بالإصلاح السياسي بالمعنى الليبرالي التعددي من أي طرف سياسي آخر في البلاد بما في ذلك شركاؤنا في النهضة. لقد جاء سي الباجي من ذات التيار الذي انحدر منه احمد التليلي واحمد بن صالح واحمد المستيري ومحمد مزالي رحمهم الله وجميع من طالبوا بالتغيير الديمقراطي على قاعدة الإصلاح (لا الثورة)، والكل يعلم ان سي الباجي كان اول من طالب الزعيم بورقيبة رحمه الله بالإصلاح في مؤتمر المنستير سنة 1971، ثم ترأس تحرير مجلة الديمقراطية في بداية السبعينيات، وكان وزيرا للخارجية في حكومة سي محمد مزالي في بداية الثمانينيات، وهي أول حكومة تبنت مشروعا للإصلاح السياسي بالمعنى التعددي الحزبي وبمعنى توسيع هامش الحريات وخصوصا حرية الإعلام. ولا اعتقد أنا أحدا بمقدوره المزايدة على سي محمد في معارضة نظام بن علي. أما سي الباجي فالكل يعلم أنه انسحب من رئاسة البرلمان سنة 1990 بعد تنكر نظام بن علي لوعوده، ولزم بيته مغضوبا عليه حتّى انهار النظام في جانفي 2011. وبالتالي فإن تصنيف سي الباجي باعتباره ممثلا للمنظومة القديمة، كان في رأيي تصنيفا “ثورجيا” وقفت وراءه أصوات كانت الأصل وراء تشجيع سعيّد على الانقلاب على المسار باستعمال الفصل 80 من دستور 2014، وهي أصوات لطالما عرفت بمزايداتها “الثورجيّة” التي لا دليل عليها في سيرتها السياسية قبل الثورة، فقد كانت القوى السياسية الوطنية بشكل مطلق “قوى اصلاحية” تطالب بالتغيير لا بالثورة على النظام.
- ثانيا: إن الاعتماد على مقاربة “ثورة/ثورة مضادة” في تفسير ما وقع، هو في رأيي “اعتماد كسول” نسبيا بالمعنى الفكري (وليسمح لي العزيز رفيق على هذا التوصيف من باب السماحة وسعة الصدر التي اعرفهما عنه)، فأغلبية الباحثين في ثورات الربيع العربي أدركت بأنها لم تكن “ثورات” بالمعنى الكلاسيكي الذي كان سائدا، أي أنها كانت أقرب إلى “الانتفاضات الشعبية الناجحة” لافتقادها البرنامج المحدد والقيادة، وأنها تمثّل “جيلا جديدا” ربّما من الثورات، أهم ما يميّزه المرور إلى تجارب “الانتقال الديمقراطي” الذي لا يفترض بالضرورة حصول ثورات، ففي البرازيل أو تشيلي أو حتى جنوب أفريقيا، وجميعها تجارب انتقال ديمقراطي ناجحة لم تحصل ثورات ولا حتى انتفاضات بالمعنى الذي جرى خلال الربيع العربي، ومن هنا فإن الاعتماد على ثنائية “القوى الثورية/قوى الثورة المضادة” لا يمكنه تفسير ما وقع من انتكاسة، وهو ما شهد به الدكتور رفيق نفسه من إقرار بأن “تجربة الانتقال الديمقراطي” قد أوتيت من باب الثورة لا من باب الثورة المضادة، فصعود سعيّد والذين شجعوه وأفتوا له وصفقوا لما فعل كانوا ممن يرون أنفسهم “ثوّارا أشاوس”، وهذه حقيقة لا يحجبها الندم أو الاعتذار أو الجعجعة. وفي رأيي فإننا نحتاج إلى ثنائيات أكثر خصوصية تنبع من رحم معادلتنا الوطنية التونسية، وهو ما يقتضي بعض الجهد الفكري أو الكثير منه إن لزم الأمر.
- ثالثا: إن تجربة سي الباجي، سواء في قيادته للمرحلة الانتقالية الأولى سنة 2011، والتي نجحت في الوصول بتونس في ظروف شديدة الاضطراب إلى تنظيم أول انتخابات ديمقراطية منذ استقلالها، ثم تسليم الحكم للإسلاميين وحلفائهم في الترويكا، ثم تجربته في تأسيس حركة نداء تونس لاحقا بروافدها المتعددة، ليس كما يزعم البعض من باب اعادة بناء المنظومة القديمة، بقدر ما كان في رأيي ضرورة لإحداث التوازن السياسي المطلوب ضمانا لتدفق وانسيابية واستكمال الانتقال الديمقراطي، وهو توازن أثبتت التجارب المقارنة الحاجة إليه، فضلا عن كونه محاولة لتحقيق حلم تيّار دستوري عريق سبقت الإشارة إليه، لطالما ناضل من أجل الإصلاح من داخل النظام ومن خارجه ودفعت قياداته ورموزه أثمانا باهضة لأجل ذلك، وتقديري أن انتكاسة تجربة نداء تونس (لأسباب ليس هنا مقام التفصيل فيها) كان مقدمة لانتكاسة مشروع الانتقال الديمقراطي برمّته، فقد كان هذا الانتقال في رأيي مشروطا بتحليق “جناحيه” الاثنين مثلما جاء في كلمة الشيخ راشد فرّج الله كربه وأطال في عمره، وذلك باعتبارهما مركز الثقل لقوى “الوسطية والاعتدال” التي تشكل الضمانة الرئيسية لأي ديمقراطية، ناهيك أن تكون فتية، ولعل جزءاً من الظلم الذي لحق بالتجربة – جرَاء البروباغندا الثورجية- هو ذاك الذي طال تجربة نداء تونس نفسها، ويفترض بمن قرأ أثار انهيارها من “انحراف العائلة الدستورية” نحو الفاشية لاحقا، بدل استكمالها تحوّلها الديمقراطي، أن يقرّ بسقم النظرة للتجربة الندائية، التي عانت خارجيا من التشويه الايديولوجي، وداخليا من محاولة بعض قياداتها – لسوء فهم أو سوء نيّة- جرّها إلى التطرّف والراديكالبة، وهو ما يتناقض مع فكرتها الأصلية كما أكّد على ذلك مؤسسها في أكثر من مناسبة.
- رابعا وأخيرا، إنني أعلم مدى قناعة الصديق الدكتور رفيق عبد السلام بتجربة “التوافق”، وأتفهّم تراجعه عن الدفاع أحيانا عنها جراء “الهجومات الشعبوية” التي لطالما رذّلت هذه التجربة، وهي هجومات مصدرها جميع العائلات السياسية تقريبا، اذ لطالما واجهنا في النداء تهما بخيانة مشروع الحركة التي انتصرت في انتخابات 2014، بسبب جنوح سي الباجي إلى التوافق لدواعي المصلحة الوطنية والديمقراطية وإيمانه الراسخ بحق جميع التونسيين في بناء تونس الجديدة ، وهو جنوح أصيل لديه وليس اسثنائيا، كما أعرف أن جزءا من جمهور النهضة الذي اقتنع بمقاربة الثورة والثورة المضادة، اتهم القيادة بخيانة الثورة، فيما رأت بعض القوى اليسارية في “تحالف الدساترة والخوانجية” الخطر الأكبر عليها، ولهذا لم تقصّر بدورها – عبر هيمنتها الإعلامية خاصة- في ترذيل التوافق وأهله وقياداته. لقد التقت مصالح متناقضة على ترذيل “التوافق” الذي لم يكن مدعوما بأغلبية “قيادية” للأسف حتى بين “أهله”، ولعلّ هذا ما يحلينا إلى حقائق كثيرة علينا الاعتراف بها، باعتبارها مصادر “هشاشة” للتجربة، من أهمّها ضعف “ثقافة التوافق” على رغم من أن “التوافق شرط بنيوي في الانتقال الديمقراطي” و”شرط ضروري لنجاح أي ديمقراطية” سواء قام على “الائتلاف الحكومي” أو “على “التداول على السلطة”، فعلاقة الحكم بالمعارضة ديمقراطيا مختلف، لأن المعارضة جزء من الحكم في الأنظمة الديمقراطية، وإن سوء الفهم و عدم وضوح المفاهيم أو الخلط بينها ومكر التاريخ أحيانا، يلعب دورا في انتكاس التجارب الإصلاحية الهامة في تاريخ الشعوب والبلدان كتجربة العشرية، ولكن في النهاية لا شيء يضيع في التاريخ، ولعل تجربة التوافق القادمة الضرورية لإنقاذ البلاد من كبوتها تكون أكثر صلابة فكريا قبل السياسي.. والسلام.







