
ثمة رجالٌ لا يدخلون حياتنا ككتّاب،
بل كحالاتٍ إنسانية كاملة.
نقرأهم أول الأمر،
ثم نكتشف بعد سنوات
أننا لم نكن نقرأ كتبهم،
بل كنا نقرأ أنفسنا في مراياهم.
هكذا كان أنيس منصور…
ذلك الرجل الذي كتب بخفة طائر،
وكان يحمل في قلبه
أثقالَ جبل.
عرفتُه مبكرًا…
منذ كنتُ طالبًا في الجامعة،
ثم صحفيًا يطارد الحبر والدهشة،
ثم نائبًا اكتشف أن السياسة
ليست بعيدة عن الأدب كما نظن،
وأن بعض الكُتّاب
أكثر فهمًا للسلطة
من السياسيين أنفسهم.
كنت ألتقيه فأشعر دائمًا
أنني أمام رجلٍ
يعرف أشياء أكثر مما يقول،
ويخفي أحزانًا
أكبر مما يكتب.
كان ابن بلدنا…
ابن الدقهلية،
ابن المنصورة التي تُخرج من طميها
القلقَ والذكاء معًا.
ولد في قرية صغيرة
شرق الدلتا،
لكن روحه كانت أكبر من الجغرافيا.
حفظ القرآن طفلًا،
وامتلأ مبكرًا بإيقاع اللغة،
ثم راح يلتهم الشعر العربي والأجنبي
كما يلتهم الجائع خبزه الأخير.
ولعل هذا ما صنع ذلك الأسلوب العجيب:
السهل الممتنع.
كان يكتب كما يتحدث الناس،
لكنه يُخفي داخل الجملة البسيطة
فخاخًا فلسفية كاملة.
قرأ الفلسفة
لا ليصبح أستاذًا جامعيًا فقط،
بل ليبحث عن تفسيرٍ
لهذا العبث الكبير
الذي اسمه الحياة.
تفوق في كلية الآداب
بجامعة القاهرة،
وعمل أستاذًا للفلسفة،
لكن الفلسفة الأكاديمية لم تكفه.
كان يريد فلسفةً تمشي في الشارع،
وتجلس في المقاهي،
وتبكي في الليل.
لهذا هرب إلى الصحافة…
أو ربما هربت الصحافة إليه.
تنقل بين
أخبار اليوم
والأهرام
وآخر ساعة والهلال،
وتتلمذ على يد
مصطفى أمين
وعلي أمين،
لكن روحه بقيت معلقة بالأدب،
كأن الصحافة كانت مهنته،
والكتابة قدره.
كان قارئًا نهمًا بصورة تُخيف.
يقرأ في الطائرة،
وفي السيارة،
وفي الانتظار،
وفي المرض.
وكان يخاف من الوقت
كما يخاف الفقراء من الجوع.
لذلك كتب كل هذا العدد الهائل من الكتب،
كأنه كان يشعر سرًا
أن العمر أقصر من أفكاره.
كتب عن الفلسفة،
والسياسة،
والمرأة،
والدين،
والماورائيات،
والحب،
والسفر،
والوحدة.
لكن أكثر ما كان يكتبه—دون أن يقول—
هو الاكتئاب.
نعم…
كان رجلًا مكتئبًا في أغلب الوقت،
حتى وهو يضحك.
وكانت سخريته اللامعة
مجرد طريقة مهذبة
لإخفاء الحزن.
لمع نجمه بشدة
في عهد
أنور السادات،
الرئيس الذي أحب الثقافة،
وأحب الكلمة،
وكان يعرف قيمة الكاتب
في صناعة السياسة.
اقترب أنيس من السادات
حتى صار—في نظر كثيرين—
صحفيه الأقرب،
وكاتم أسراره،
والعقل الأدبي
لبعض خطاباته المهمة.
كان السادات يحب فيه
هذه القدرة النادرة
على تحويل الفكرة السياسية
إلى لغة تصل إلى الناس.
لكن الاقتراب من السلطة
كان دائمًا لعبة خطيرة.
فالسلطة—كما كان يقول البعض—
تشبه شمعة متوهجة؛
تضيء لك الطريق،
لكن الاقتراب الزائد منها
قد يحرق أصابعك.
عرف أنيس ذلك،
لكنه بقي قريبًا،
لا حبًا في السلطة فقط،
بل افتتانًا بالتاريخ
وهو يُصنع أمامه.
عاصر الملكية،
وشهد ثورة يوليو،
وتأذى من قسوة
جمال عبد الناصر
في بعض المراحل،
ثم عاش زمن السادات
كأنه يعيش رواية سياسية مفتوحة،
ولم يرحل
إلا بعد أن رأى سقوط
حسني مبارك
وانهيار النظام
الذي ظنه كثيرون أبديًا.
أما أنا…
فلا أستطيع أن أتذكره
دون أن أتذكر ذلك الصباح البعيد
في مطلع هذا القرن.
دعوة من الرئيس مبارك
إلى لقاء المفكرين
في افتتاح
معرض القاهرة الدولي للكتاب.
كنت أجلس إلى جوار أنيس منصور،
وكان إلى جواره
كمال الشاذلي.
وخلال اللقاء،
وجه الرئيس عباراتٍ نحوي
لم أفهمها في لحظتها،
لكنني شعرت بإهانتها،
واشتعل داخلي غضبٌ عارم.
بعد انتهاء اللقاء،
حاول كمال الشاذلي
أن يخفف الأمر،
وقال لي:
“ربما الكلام ليس مقصودًا به أنت.”
لكن أنيس منصور—بهدوئه المعتاد—
التفت إليه وقال:
“لا… الكلام واضح.”
ثم نظر إليّ
بنظرة لا أنساها،
كانت مزيجًا من التضامن
والحزن
ومعرفة قديمة
بطبيعة السلطة.
وأيّدني في ضرورة اتخاذ موقف.
ذلك الموقف الصغير
كشف لي شيئًا مهمًا فيه:
أنه رغم قربه الطويل من الرؤساء،
لم يفقد قدرته
على رؤية الحقيقة.
ورغم نعومة أسلوبه،
كان يعرف متى ينحاز
إلى الكرامة.
كان أنيس منصور
يشبه مكتبته.
واسعًا،
متناقضًا،
مليئًا بالأسرار،
والكتب،
والوحدة.
رجلًا يمكن أن يكتب عن الأشباح،
ثم يكتب عن الله،
ثم يكتب عن الحب،
ثم يضحك فجأة
كطفلٍ اكتشف للتو
أن العالم لا يستحق كل هذا الحزن.
كتب “مواقف”
فصارت طقسًا يوميًا
لملايين القراء.
وكتب “حول العالم في 200 يوم”
فجعل السفر
رحلة داخل النفس
لا داخل الجغرافيا فقط.
وكتب “عاشوا في حياتي”
فحوّل البشر
إلى أدب خالد.
كان يعرف اللغات،
ويقرأ العالم بلغاته الأصلية،
لكن لغته العربية
بقيت وطنه الأجمل.
لغة خفيفة،
لكنها عميقة،
ساخرة،
لكنها دامعة من الداخل.
وحين رحل
في أكتوبر 2011،
بدا كأن صفحة كاملة
من مصر القديمة
تُطوى بصمت.
رحل وهو يكتب مذكراته،
كأن الرجل
كان يحاول أن يسبق الموت
بالكلمات.
لكن بعض الكُتّاب
لا يموتون فعلًا…
لأنهم يتحولون—ببطء—
إلى طريقة تفكير،
وإلى نبرة،
وإلى ظلٍّ طويل
يمشي معنا
كلما فتحنا كتابًا
أو خفنا من العالم.











