مصر

مركز إنسان يعقد ندوة صحفية بمناسبة اليوم العالمي للصحافة: حراس الحقيقة في عين العاصفة.. فمَن يحميهم؟

أكد المشاركون في ندوة “من يحمي الحق في المعرفة”، التي نظمها مركز إنسان للدراسات الإعلامية بإسطنبول، الثلاثاء 5 مايو 2026، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، أن الصحافة غدت “ضرورة قصوى وليست رفاهية”، وأن الحق في المعرفة يمثل الركيزة الأساسية لتمكين الشعوب من تقرير مصيرها ومواجهة الاستبداد.

وشدد الحاضرون على أن حماية هذا الحق تتطلب تكاتفاً دولياً عاجلاً، خاصة بعد أن تحول العمل الصحفي إلى ضريبة دم باهظة لم تعد تقتصر على الصحفيين وحدهم، بل امتدت لتطال عائلاتهم عبر استهداف منازلهم في مناطق النزاع
وأوضحوا أن أنماط القمع تطورت بشكل خطير؛ فلم تعد تقتصر على المخاطر الجسدية كالاعتقال والاغتيال، بل شملت إنشاء “سجون ذكية” وحصاراً معلوماتياً ممنهجاً يُدار بتقنيات الذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية والتشهير لتقويض المصداقية.

وفي استعراض لواقع القمع الميداني، كشفت الندوة عن مقتل نحو 365 صحفياً في غزة ولبنان خلال عامين من التغطية، بينما وُصفت تركستان الشرقية بأنها تحولت إلى “أكبر مختبر للقمع البشري”، وباتت معزولة إعلاميا برقابة صارمة تهدف لطمس الهوية وتغييب الحقيقة.

كما نبه المشاركون إلى خطورة تدهور الحريات في مصر، التي باتت تُصنف دولياً ضمن “المنطقة السوداء”؛ نتيجة التوسع في “التشريعات القمعية” وتغييب مئات أصحاب الأقلام خلف الزنازين.

وأجمع المشاركون على أن الحق في المعرفة هو حق إنساني أصيل نصت عليه المواثيق الدولية، وحمايته تمثل مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره.
وأكدوا أن استغلال القوانين والمصالح السياسية للتغاضي عن الانتهاكات يغذي الظلم، معتبرين أن كسر الحصار المعلوماتي وتحقيق العدالة في فلسطين يمثل الطريق المشترك والمدخل الضروري لتحرر كافة الشعوب المظلومة حول العالم.

الحق في المعرفة بحاجة إلى من يدافع عنه

وفي مستهل الندوة، أكدت مي الورداني، مديرة مركز “إنسان للدراسات الإعلامية”، أن الصحافة “ضرورة وليست رفاهية”، وأن الحق في المعرفة يحتاج إلى من يدافع عنه، وسط أمواج متلاطمة من التضييق على حرية الصحافة واستهداف الصحفيين عالميًا.

وأضافت: “في منطقتنا بشكل خاص، لا نزال نناضل لإثبات أن الصحافة ليست جريمة، بعد أن تحول استهداف الصحفيين إلى طقس يومي أمام مرأى ومسمع دولي لا يحرك ساكنًا”.
وأشارت إلى ندوة سابقة نظمها المركز لمناقشة مختلف جوانب حرية الصحافة بمشاركة زملاء من فلسطين واليمن وسوريا ومصر والمغرب العربي.

وقالت: من قبل ذلك، تعالت أصواتنا مع أحداث “طوفان الأقصى” للمطالبة بحقوق زملائنا الصحفيين الفلسطينيين، وطالبنا بأن يكون هذا اليوم هو “يوم الصحفي الفلسطيني”؛ تخليدًا لدمائه التي روت عين الحقيقة.

التهديدات المعاصرة للصحفيين والحماية القانونية
من جانبه، استعرض الدكتور مصطفى أوزديمير، المختص في القانون الدولي العام، ورقته البحثية بعنوان: “التهديدات المتزايدة لسلامة الصحفيين والحماية القانونية لحقوقهم كموظفين محترفين”، والتي تناولت “قانون العمل في قطاع الصحافة” والتهديدات العالمية التي تواجههم.

وأشار إلى أن التهديدات لم تعد مقتصرة على مناطق النزاعات، بل أصبحت ظاهرة عالمية بأنماط مختلفة، مثل:

  • التهديدات الجسدية: حيث يواجه الصحفيون أخطر أشكال التهديد، خاصة في مناطق النزاع، ويتعرضون للاستهداف والاغتيال بسبب عملهم أو تحقيقاتهم.

كما تشمل التهديدات الجسدية الاحتجاز، والاختطاف، واستخدامهم كرهائن، والاعتقال التعسفي لإسكات الأصوات، فضلاً عن الاعتداءات الجسدية أثناء تغطية الأحداث.

  • التهديدات الرقمية والقانونية: وتشمل القرصنة، والتجسس على الاتصالات، واختراق الأجهزة، وحملات التشهير المنظمة لتقويض المصداقية، وأيضا التشويش عبر حجب الإنترنت والهجمات السيبرانية.
  • التغول القانوني: تُستغل قوانين مكافحة الإرهاب والأمن القومي لتقييد حرية الصحافة ومنع الوصول للمعلومات؛ ما يدفع الصحفيين إلى “الرقابة الذاتية” تجنباً للمخاطر، وهو ما ينعكس سلباً على جودة الحقيقة المنقولة.

واستعرض أوزديمير الأطر القانونية الدولية لحماية الصحفيين، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف، الذي يؤكد اعتبار الصحفيين مدنيين يجب حمايتهم. وشدد في ختام حديثه على ضرورة تعزيز التشريعات لمنع استغلال القوانين في القمع، ودعم المبادرات المشتركة بين المؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني لتوفير الدعم القانوني والمهني والنفسي للصحفيين.

صمود غزة ومسؤولية كسر الحصار

واستهلت الناشطة والإعلامية عائشة مزين حديثها بالشكر لكل من ساهم وشارك في إيصال الصوت، وثمّنت دور الصحفيين الذين يحاولون نقل الحقيقة رغم الظروف الصعبة، مشيرة إلى تاريخ احتلال “إسرائيل” للأراضي الفلسطينية منذ عام 1948 واستمرار سياساتها بكل قسوتها، وأن هذا الواقع ممتد منذ ذلك التاريخ حتى اليوم.
وأشارت إلى صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وأرضه، على الرغم من أن هناك بعض الأطراف التي تسعى إلى تبرير الانتهاكات غير القانونية وفرض إسرائيل سيطرتها على الأراضي المحتلة.

وأضافت: “لم يكن الصحفيون وحدهم في دائرة الخطر، بل إن عائلاتهم أيضًا تعرضوا للاستهداف؛ حيث يتم قصف المنازل، وتدمير الأحياء، واستهداف أماكن اللجوء في مناطق النزاع، ما يجعل العمل الصحفي في هذه الظروف بالغ الخطورة”.

وقالت: خلال العامين الماضيين، قُتل عدد كبير من الصحفيين في غزة ولبنان أثناء أداء عملهم، وقد قُدّر عددهم بنحو 365 صحفيًا في سياق تغطية الأحداث الميدانية، ونحن كمدنيين ومتطوعين وصحفيين، نسعى إلى الحفاظ على الاستمرار في إيصال الحقيقة، ودعم الشعوب المتأثرة بالنزاعات، وإبقاء صوتها حاضرًا في الرأي العام العالمي.

وأرجعت “مُزيّن” تركيز “إسرائيل” انتقامها على الشعب الفلسطيني لأنها فشلت في تحقيق مشروعها المزعوم، في إشارة إلى مشروع “إسرائيل الكبرى”، وفق ما يخطط له الاحتلال بتوسيع دولته وتمددها في المنطقة، إلا أن الواقع السياسي الحالي لم يحقق لهم تلك التصورات
وأشارت إلى واقع غزة والحصار المفروض عليها كونها منطقة ساحلية ضيقة، ما أدى إلى عزلها بشكل كبير عن العالم الخارجي، ودفع سكانها إلى ظروف معيشية صعبة للغاية، رغم محاولات التواصل عبر وسائل مختلفة، موضحة أنه لإيصال هذه القضية إلى العالم، تم تنظيم رحلات بحرية ومبادرات إنسانية متعددة، كان أبرزها في عام 2010 عبر أسطول انطلق من إسطنبول باتجاه غزة، بمشاركة مئات الناشطين من دول مختلفة وخلفيات دينية وثقافية متعددة، وكان ذلك بهدف إيصال المساعدات الإنسانية من جهة، وتسليط الضوء على الوضع الإنساني والحصار من جهة أخرى.

وتابعت حديثها بأن أن هناك تحركات دولية حديثة شارك فيها ناشطون من عشرات الدول، ومن بينها دول أوروبية وعربية، ضمن مبادرات إنسانية بحرية متعددة. ورغم توقع اعتراض بعض هذه الرحلات، فإن المشاركين يؤكدون استمرارهم في هذا النهج السلمي، سواء عبر البحر أو البر، بهدف كسر الحصار على غزة وإيصال صوتهم إلى المجتمع الدولي.

وأكدت أن إيصال صوت الضحايا والمدنيين المتضررين، ودعم القضايا الإنسانية، يمثل مسؤولية أخلاقية وإنسانية، مع الإشارة إلى أن حل أزمات الشعوب المظلومة يرتبط بتحقيق العدالة والسلام، وأن تحرير كل المناطق المظلومة في العالم والشعوب له طريق واحد مشترك، وعقدته ستُحلّ في فلسطين؛ فعندما تتحرر فلسطين، سيتحرر العالم بأسره.

تركستان الشرقية.. أكبر مختبر للقمع البشري
وفي كلمته أمام الندوة، أشار الإعلامي عبد الجواد مصطفى، مسؤول القسم العربي بـ “وكالة أنباء تركستان الشرقية”، إلى أنه في اليوم العالمي للصحافة، الذي يُفترضُ فيه أن تُقدَّس الكلمة وتُكشف الحقيقة، نقفُ بقلوبٍ يملؤها الأسى أمام بقعةٍ من الأرضِ أُريدَ لها أن تُمحى من ذاكرة الوجود.

وقال: نحن لا نتحدث اليوم عن نزاعٍ سياسي، بل نتحدث عن “تركستان الشرقية”؛ الأرض التي تحولت إلى أكبر مختبرٍ للقمعِ البشري في التاريخ الحديث، حيث تبتلعُ الصين الحقيقة وتُصادر الكلمة لتمرير جريمةِ إبادةٍ صامتة، وكذلك تروج لروايتها الكاذبة التي تلمّع فيها انتهاكاتها الخطيرة.
وأشار إلى إحصائية بحسب تقديرات الأمم المتحدة، تشير إلى احتجاز ما بين مليون إلى ثلاثة ملايين مسلم من الإيغور في معسكراتٍ تُسمى زورًا “مراكز تدريب” أو “إعادة تأهيل”، لكنها في الحقيقة معتقلات لقمع الإنسان ولطمس الهوية الدينية والثقافية والعرقية، والحقيقة أنها سجونٌ ذكية تُدار بالخوارزميات، يُجبر فيها المعتقلون لساعات طويلة على نبذِ هويتهم وثقافتهم وتاريخهم ودينهم، كما يُجبرون بالقوة على شربِ المحرمات تحت وطأةِ التعذيب والتنكيل.

كما أشار إلى معاناة ما يُعرف بـ “الأيتام الأحياء” من أطفال الإيغور؛ حيث تم فصل أكثر من نصف مليون طفل عن أسرهم المحتجزة وإيداعهم في مدارس داخلية مغلقة، في إطار سياسات تهدف إلى طمس هويتهم الدينية والثقافية وإبعادهم عن لغتهم وتاريخهم.

وأوضح أن سياسات الصين القمعية طالت المعالم الدينية؛ إذ تم هدم أو تغيير وظيفة آلاف المساجد في سياق التضييق على الممارسات الدينية، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أصبح التعبير عن الهوية الدينية، كإلقاء التحية الإسلامية أو اقتناء المصحف أو ممارسة الشعائر، سببًا للملاحقة والاعتقال تحت ذرائع أمنية.

الحصار المعلوماتي وتغييب الشهود في تركستان
وتحدثت الناشطة فاطمة آر، من تركستان الشرقية، عن تصاعد خطير في محاولات إسكات الشهود، مؤكدة أن تركستان الشرقية تعيش حصارًا معلوماتيًا ممنهجًا، حيث تحولت إلى منطقة معزولة إعلاميًا تخضع لرقابة صارمة تتحكم في تدفق المعلومات إلى الصحفيين والمدنيين.
وقالت: تُستخدم أدوات رقمية متقدمة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لمراقبة المحتوى وتتبع الصحفيين، إلى جانب حجب واسع للمواقع وإغلاق منصات ثقافية وإعلامية، مما أدى إلى طمس الهوية الثقافية.

وأضافت: “يُعاني الصحفيون والمثقفون من الاعتقال والترهيب، حيث تُعد الصين من أكبر الدول سجنًا للصحفيين، مع استهداف خاص للأويغور، إضافة إلى التضييق على الإعلام الدولي ودفع مؤسسات إعلامية للانسحاب، وفي المقابل، تُروّج روايات رسمية مضللة عبر أدوات إعلامية موجهة للتغطية على الانتهاكات.

واختتمت بدعوة عاجلة للمجتمع الدولي، والحكومات، والمؤسسات الإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني، للتحرك لكسر الحصار الإعلامي، والدفاع عن حرية الصحافة، ودعم الصحفيين، وعدم السماح للمصالح السياسية والاقتصادية بالتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان، مؤكدة أن الصمت يساهم في استمرار الظلم.

واقع الصحافة المصرية و”المنطقة السوداء”
وفي ختام الندوة، شكرت مي الورداني المشاركين على الحضور، واستذكرت الشأن الصحفي المصري؛ حيث تضيع أعمار الصحفيين الباحثين عن الحقيقة تحت وطأة “التشريعات القمعية” والتضييق المستمر على الحريات وحجب المعلومات التي هي حق أصيل من حقوق المواطنين.

وقالت: هناك في الزنازين مئات من أصحاب الأقلام والمصورين ورسامي الكاريكاتير، نذكر منهم -على سبيل المثال- الزملاء: محسن راضي، وبدر محمد بدر، وأحمد سبيع، وياسر أبو العلا، وأشرف عمر، وصفاء الكوربيجي.. والقائمة طويلة من فرسان الكلمة الذين ننتظر بزوغ فجر حريتهم.
هؤلاء الفرسان عندما غابوا غابت معهم البقية الباقية من حرية الصحافة، وانطفأ ضوء المعرفة في كل أنحاء مصر، بعد أن أحكم النظام قبضته على وسائل الإعلام واستوديوهات الإنتاج الدرامي؛ فباتت مصر تُصنف في التقارير الدولية ضمن “المنطقة السوداء” كواحدة من أكبر الدول التي تسجن الصحفيين في العالم وتضيق على حرياتهم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى