سورياملفات وتقارير

العدالة الانتقالية في سوريا: حينما يتحول الجلاد إلى قاضي ومسار الانتقام

تواجه طموحات إرساء مسار العدالة الانتقالية في الجمهورية العربية السورية عقبات هيكلية كبرى تثير شكوكا واسعة حول نزاهة هذا الملف، حيث تبرز إشكاليات عميقة تتعلق بسيطرة أطراف متهمة بالتورط في جرائم حرب على مقاليد هذا المسار الحقوقي، مما يحوله من أداة لإنصاف الضحايا ومحاسبة المتورطين إلى وسيلة سياسية لتصفية الحسابات وتثبيت نفوذ السلطة الحالية بعيدا عن مبادئ الشفافية الدولية المتعارف عليها في هذه الملفات الشائكة.

معضلات الحقيقة والمساءلة في هيكل السلطة

تنتقد الصحفية فرح العاقل آليات العمل التي تتبعها الحكومة السورية المؤقتة في إدارة ملفات الانتهاكات، مؤكدة أن مفهوم العدالة يرتكز على كشف الحقائق والمساءلة وجبر الأضرار، وهي ركائز غائبة تماما عن المشهد الحالي، وترى العاقل أن الجهة التي تتصدى لقيادة هذا التحول متهمة بشن هجمات دموية وتصفيات عرقية وطائفية، مثل واقعة قلب لوزة ضد دروز إدلب وتهجير المسيحيين والاستيلاء على عقاراتهم، إضافة إلى تفجير القزاز ومجزرة عدرا العمالية.

تستمر التجاوزات الحقوقية بظهور أنماط جديدة من العنف طالت مناطق عدة منها الساحل السوري خلال عام 2024 وبلدات الأشرفية وجرمانا، فضلا عن استهداف المكون الكردي وصولا إلى الهجوم الدامي على السويداء، وتشدد فرح العاقل على أن إقصاء الجرائم التي ارتكبتها القوى المسيطرة، والتي كانت تعرف سابقا بأسماء تنظيمات مثل هيئة تحرير الشام أو جبهة النصرة، يجعل من عملية تقصي الحقائق مجرد إجراء صوري يفتقر لأدنى معايير المصداقية القانونية.

غياب جبر الضرر واستمرارية الانتهاكات الممنهجة

تصف المصادر الحقوقية المحاكمات الجارية والتقارير الصادرة عن لجان التحقيق الوطنية بأنها مجرد عروض دعائية لا تلامس جوهر المحاسبة الفعلية، حيث يتم التركيز على صغار المنفذين بينما يبقى القادة الذين أصدروا الأوامر المباشرة في مأمن من الملاحقة، بل وانخرط بعضهم في لجان السلم الأهلي، وتؤكد فرح العاقل أن الضحايا لم يتلقوا أي تعويضات مادية أو معنوية، سواء من متضرري الحقبة الماضية أو ممن سقطوا في ظل الإدارة الراهنة.

يرفض مجتمع السويداء الاعتراف بآليات التحقيق المحلية، مطالبا بضرورة تدخل لجان دولية محايدة لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب استنادا إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية، وتشير التقارير إلى أن مبررات ملاحقة “الفلول” أو “الانفصاليين” أصبحت ذريعة لتكرار الانتهاكات وإعادة إنتاج العنف الممنهج، في وقت يظل فيه المتهمون بارتكاب جرائم ما بعد تاريخ 8 ديسمبر 2024 أحرارا دون أي توقيف، مما يحول العدالة الانتقالية إلى شعار فارغ.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى