تونسحقوق وحرياتملفات وتقارير

تونس: نساء تحت المقصلة والقمع يلتهم ما تبقى من الفضاء المدني

تواجه الحريات الصحفية في الجمهورية التونسية منعطفاً حرجاً مع توالي التحقيقات الأمنية التي تطال أصحاب المؤسسات الإعلامية الناشئة والمستقلة. يبرز اسم يثرب المشيري كأحدث ضحايا هذا المسار المثير للجدل، بعدما خضعت صاحبة موقع “Tunisia24” للاستجواب أمام فرقة أمنية بالعاصمة. يأتي هذا التحرك في ظل مناخ يراه مراقبون محاولة لتقويض الصوت الحر وإحكام السيطرة على الفضاء الرقمي العام عبر آليات قانونية تثير استياء واسعاً.

تتزامن هذه الواقعة مع سلسلة من التدابير العقابية التي لم تستثنِ العمل المدني المنظم، حيث شملت الملاحقات إيقاف يثرب المشيري أثناء ممارسة مهامها الميدانية. تصر السلطات التنفيذية على تفعيل نصوص قانونية ترفضها الأوساط المهنية، وسط اتهامات بأن تلك النصوص باتت سيفاً مسلطاً على الأقلام التي تأبى السير في الركاب الرسمي. وتؤكد الوقائع أن التوجه الحالي يتجاوز التنبيه المهني ليصل إلى حد الملاحقة الجنائية المباشرة.

الحريات الصحفية تحت وطأة المرسوم المثير للجدل

يشكل استمرار العمل بالمرسوم رقم 54 حجر الزاوية في تصاعد حدة الصدام بين المؤسسات الأمنية والحقوقيين. فقد تم التحقيق مع يثرب المشيري دون تمكينها من حقوق الدفاع الأساسية أو إخطارها رسمياً، وهو ما يعكس رغبة في تسريع وتيرة الضبط الإعلامي. ويقبع حالياً خلف القضبان أسماء إعلامية بارزة مثل زياد الهاني وسنية الدهماني، إضافة إلى مراد الزغيدي وبرهان بسيس، مما يشير إلى منهجية واضحة في إدارة الملف.

تتوسع دائرة الاستهداف لتطال الهيئات المدنية العريقة، حيث تقرر تجميد نشاط الرابطة التونسية لحقوق الإنسان لمدة شهر كامل. يمتد هذا المسار ليشمل جمعية “الخط” التي تواجه إجراءات قضائية تهدف إلى تصفيتها قانونياً أمام المحكمة الابتدائية. تعكس هذه التحركات رغبة في تقليص قدرة المجتمع المدني على مراقبة الأداء العام، مما يضع مستقبل العمل التنظيمي في مهب الريح أمام قرارات إدارية وقضائية متلاحقة.

استهداف الناشطات ومحاولات التشويه الممنهج

تتعرض الناشطات النساء لاستهداف مزدوج يستغل الحساسيات المجتمعية لضرب مصداقية العمل الحقوقي، وهو ما أكدته آمنة بن خليفة بزيادة وتيرة التتبعات ضد النساء. تستخدم أدوات التشهير الإلكتروني والمساس بالعرض كآليات للضغط النفسي والاجتماعي، كما حدث في واقعة شريفة الرياحي التي تعرضت لانتهاكات مست حقوقها الطبيعية. يهدف هذا النهج إلى ردع المرأة عن الانخراط في الشأن العام وتصوير نضالها كخروج عن الأطر التقليدية.

يبرز ملف “أسطول الصمود” كنموذج للمفارقات السياسية، حيث تحول الدعم الرسمي الأولي إلى ملاحقات قضائية واتهامات بتبييض الأموال. ترى رندة فحولة أن هذا التغير نابع من خشية السلطة من تحول العمل المدني إلى قوة ضغط تشريعية أو سياسية مستقلة. يظل التمسك بمكتسبات التعبير هو الرهان الأخير أمام محاولات الارتداد عن الحريات، مع المطالبة بإلغاء المراسيم التي تكبل الأقلام وتصادر حق النقد الموضوعي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى