
فالدساتير الحديثة لم تُكتب فقط لتنظيم السلطة، بل وُضعت أيضًا لتقييد نزعات القوة، ومنع تحوّل قرار الحرب إلى انفعال سياسي أو رغبة فردية أو حسابات لحظة مضطربة.
لهذا تعاملت الدساتير الديمقراطية مع إرسال الجيوش خارج الحدود باعتباره من أخطر القرارات السيادية التي لا يجوز أن تنفرد بها سلطة واحدة، مهما بلغت مكانتها.
الدستور المصري الحالي كان واضحًا وحاسمًا في هذه المسألة، حين نص في المادة 152 على أن رئيس الجمهورية، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، لا يملك منفردًا إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود المصرية.
النص الدستوري وضع ثلاث دوائر إلزامية قبل تحريك أي قوات قتالية إلى الخارج:
أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، ثم الحصول على موافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين، وهي أغلبية مشددة تعكس إدراك المشرّع الدستوري لخطورة القرار نفسه وما يترتب عليه من آثار تمس الدم والسيادة والاقتصاد والعلاقات الدولية.
وإذا كان البرلمان غير قائم، لم يترك الدستور الأمر للفراغ، بل ألزم بالحصول على رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الوطني معًا، بما يعني أن المبدأ الحاكم في كل الأحوال هو منع احتكار قرار الحرب.
اللافت في النص الدستوري أنه استخدم عبارة “مهمة قتالية”، وهي عبارة ليست بريئة قانونيًا ولا عابرة سياسيًا.
فالفقه الدستوري يميز دائمًا بين التدريب والمناورات والمساعدات الفنية وعمليات حفظ السلام، وبين الانخراط الفعلي في عمليات ذات طبيعة قتالية مباشرة أو محتملة.
هنا يصبح السؤال الحقيقي:
من الذي يحدد طبيعة المهمة؟
وهل يكفي توصيفها السياسي أو الإعلامي، أم أن العبرة بحقيقتها العملية واحتمالات الاشتباك والتورط الميداني؟
وهو سؤال بالغ الحساسية، لأن كثيرًا من النزاعات الحديثة تبدأ تحت عناوين “الدعم” أو “الحماية” ثم تتحول تدريجيًا إلى انخراط عسكري كامل.
المادة 152 لا يمكن قراءتها بمعزل عن بقية البناء الدستوري المصري.
فهناك ارتباط مباشر بينها وبين المادة 200 التي تحدد دور القوات المسلحة في حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وكذلك المادة 154 الخاصة بحالة الطوارئ، لأن الحروب والصراعات الممتدة كثيرًا ما تفرض أوضاعًا استثنائية تتجاوز المجال العسكري إلى المجال المدني والاقتصادي والسياسي.
التجربة الدستورية المقارنة تكشف أن الديمقراطيات المستقرة تميل دائمًا إلى توسيع الرقابة البرلمانية على قرار الحرب، لأن التاريخ الإنساني أثبت أن الحروب التي تبدأ بسهولة تنتهي غالبًا بكوارث يصعب احتواؤها.
ولهذا تُعد موافقة البرلمان في النظم الديمقراطية ليست مجرد إجراء شكلي، بل تعبيرًا عن أن الأمة كلها تشارك – عبر ممثليها – في تحمل مسؤولية الدم والقرار.
في مصر، شهدنا تطبيقًا عمليًا لهذا النص في يوليو 2020، خلال الجلسة البرلمانية الخاصة بالتفويض المتعلق بالاتجاه الاستراتيجي الغربي والأزمة الليبية، حيث جرى انعقاد مجلس النواب في جلسة سرية انتهت بالموافقة على إرسال عناصر من القوات المسلحة في مهام قتالية خارج الحدود إذا اقتضت الضرورة.
لكن جوهر المسألة لا يقف فقط عند النصوص والإجراءات، بل عند الفلسفة التي تحكمها.
فالدستور هنا لا يحمي فقط حق الدولة في الدفاع عن أمنها القومي، بل يحمي أيضًا المجتمع من الاندفاع غير المحسوب نحو الحروب، ويؤكد أن الجيش – مهما بلغت وطنيته وقدرته – يبقى جزءًا من دولة مدنية دستورية، لا يتحرك خارج إطار الشرعية السياسية والقانونية.
قيمة هذه النصوص لا تظهر في أوقات الاستقرار، بل في لحظات التوتر الكبرى، حين تتصاعد الأصوات المطالبة بالحسم السريع أو التدخل الفوري.
هنا يصبح الدستور هو آخر خطوط العقل، وآخر الضمانات التي تمنع تحوّل القرار السيادي الأخطر في حياة الأمم إلى مجرد رد فعل عاطفي أو سياسي عابر.
ولهذا لم يكن عبثًا أن تُحيط الدساتير الحديثة قرار الحرب بكل هذه القيود والإجراءات.
فإرسال الجنود إلى خارج الحدود ليس بيانًا سياسيًا، ولا خطابًا إعلاميًا، بل قرار يكتب أحيانًا تاريخ الأمم… أو مآسيها.







