
نجحت إيران في بلورة نهج متميّز في مجال إدارة الصراعات الدولية. وللتعرّف إلى السمات التي تميّزه، ربّما يكون من المفيد إعادة التذكير بأنّ دراسة الصراعات الدولية تتطلّب تفكيك جملة من العناصر المترابطة، تشمل موضوع الصراع وأطرافه والأهداف المرجوة والأدوات المستخدَمة في إدارته وطرق قياس النتائج في مراحل تطوّره المختلفة. ولأنّ الصراع الذي تخوضه إيران حالياً هو في مواجهة الولايات المتحدة في المقام الأوّل، لكنّه لا يقتصر عليها، فمن الطبيعي أن تكون له دينامية خاصّة تدفع بعض الأطراف إلى الانخراط فيه، في هذه المرحلة أو تلك من مراحل تطوّره، حتى لو لم تكن راغبة في ذلك.
للصراع الحالي بين إيران والولايات المتحدة جذور تعود إلى الثورة الإسلامية التي أطاحت نظام الشاه، أحد أهم حلفائها في المنطقة، ولأنّ النظام الجديد خشي من أن تتعرّض الثورة الإسلامية لما تعرّضت له ثورة محمّد مُصدّق في بداية خمسينيّات القرن الماضي، حين تآمرت عليها الولايات المتحدة، ونجحت في إجهاضها وإعادة الشاه الهارب إلى سدّة الحكم، أقدم الطلّاب الثائرون على احتلال السفارة الأميركية في طهران، واحتجزوا العاملين فيها رهائن 444 يوماً، جرت خلالها محاولة أميركية فاشلة لتحريرهم بالقوة.
ولأنّ الشاه كانت تربطه بإسرائيل علاقات وثيقة، لم يكن من المُستبعَد أن يتعاون الموساد مع أجهزة الاستخبارات الأميركية، قرّر النظام الجديد في إيران قطع العلاقات معها وتسليم مقرّ بعثتها الدبلوماسية في طهران إلى منظّمة التحرير الفلسطينية، التي اعترف بها ممثّلاً شرعياً للشعب الفلسطيني. وتلك كلّها حقائق تاريخية تؤكّد أنّ زعماء الثورة الإسلامية في إيران تعاملوا مع كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارهما مصدر التهديد الرئيس لها. وحين تمكّن النظام الإيراني الجديد من تثبيت أقدامه، شرعت الولايات المتحدة في إثارة مخاوف الدول العربية المجاورة من عدوى الثورة الإسلامية، ونجحت في استدراج العراق لشنّ الحرب عليها، وشجّعت الدول العربية الخليجية على الاصطفاف وراء صدّام، ثم ألقت بثقلها لإطالة أمد الحرب، في محاولة منها لاستنزاف إيران والعراق معاً. وردّ النظام الإيراني على هذه التصرّفات بالتحرّك لدعم النظم والجماعات المناهضة للسياسات الإسرائيلية والأميركية في المنطقة، وقام بدور مهم في تأسيس حزب الله في لبنان. ومع ذلك، لم تفقد الولايات المتحدة وإسرائيل الأمل في استعادة نفوذهما القديم في إيران، ومن ثم راحتا تسعيان بكلّ الوسائل المتاحة لاحتواء النظام الجديد، ما يفسّر محاولتهما الفاشلة لمدّ إيران بالسلاح، فيما عرف بفضيحة “إيران كونترا”.
باءت هذه المحاولات بالفشل، ونجح النظام الإيراني تدريجياً لا في تثبيت أقدامه فحسب، وإنّما أيضاً في توسيع نفوذه في المنطقة أيضاً، ومن ثمّ أصبح لاعباً أساسياً فيها، مستغلّاً أخطاء بعض الدول العربية من ناحية، وأخطاء الولايات المتحدة من ناحية أخرى. فإقدام الرئيس العراقي صدام حسين على غزو الكويت أدّى إلى إضعاف الأنظمة المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، ومهّد لتوسيع نطاق التطبيع مع إسرائيل، عبر اتفاقيتَي أوسلو (1993) ووادي عربة (1994)، وفتح الطريق لتدمير العراق وتفكيكه. وأدّى احتلال الولايات المتحدة العراق عام 2003 إلى فتح الباب واسعاً أمام إيران للتغلغل في أحشاء العراق، “البوابة الشرقية للعالم العربي”.
تسبّب التعنّت الإسرائيلي من ناحية، وتخلّي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية من ناحية أخرى، في نشر الفوضى وشيوع حالة من عدم الاستقرار في المنطقة
على صعيد آخر، تسبّب التعنّت الإسرائيلي من ناحية، وتخلّي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية من ناحية أخرى، في نشر الفوضى وشيوع حالة من عدم الاستقرار في المنطقة، وأيضاً في ظهور فراغ سياسي سعت إيران لملئه بصبر ودأب. فحين كان العراق منخرطاً في حربه الطويلة على إيران، كانت إسرائيل تحتلّ بيروت، وتطرد منها منظّمة التحرير الفلسطينية وتكرّس احتلالها لجنوب لبنان. وحين كانت الدول العربية منكفئة على شؤونها وأوضاعها الداخلية، انشغلت إسرائيل بتهويد القدس، وبتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، وبعرقلة المحاولات الرامية لإقامة دولة فلسطينية مستقلّة، ولو على الجزء الذي احتُلّ عام 1967 الذي لا يزيد على 28% من الوطن التاريخي للشعب الفلسطيني.
وقد اتسمت هذه المرحلة بعجز الدول العربية عن التصدّي للأطماع الإسرائيلية فحسب، وبعجزها، أيضاً، حتى عن مجرّد حماية وتحصين مبادرة قمّة بيروت لعام 2002، التي ربطت التطبيع مع إسرائيل بقيام دولة فلسطينية مستقلّة. وهذه العوامل مجتمعةً تضافرت لتمكين إسرائيل من فرض حصار خانق على قطاع غزّة، قاد إلى “طوفان الأقصى”. وحين قرّر نتنياهو أن يتخذ من هذا الحدث الكبير ذريعةً لإبادة الشعب الفلسطيني، وتهجيره من أرضه، وتصفية جميع فصائل وقوى المقاومة في المنطقة، لم تحرّك الدول العربية ساكناً، وتعاملت مع هذه الفصائل والقوى باعتبارها مجرّد “أذرع إيرانية”.
كان من الطبيعي، في سياق كهذا، أن تبدأ جولة جديدة من الصراع المسلّح مع المشروع الصهيوني، أشعل “طوفان الأقصى” شرارتها انطلاقاً من قطاع غزّة في “7 أكتوبر” (2023)، ثمّ راح نطاقه يتّسع تدريجياً حتى وصل إلى شواطئ الخليج.
ما يلفت النظر في هذه الجولة أنّ إيران لم تصبح مجرّد طرف مباشر فيها، وإنّما أصبحت الطرف الرئيس في قيادة الصراع مع المشروع الصهيوني في المنطقة، وذلك للمرّة الأولى في تاريخ هذا الصراع. وبعبارة أخرى، يمكن القول إنّ الجولة الحالية من الصراع المسلّح مع المشروع الصهيوني، التي طالت لأكثر من عامَين ونصف العام من دون حسم نهائي، تدور بين محورَين رئيسيَّين؛ “محور أميركي إسرائيلي” لا همّ له سوى إسقاط نظام إيراني بات يشكل عقبة كأداء أمام طموحات الهيمنة التي يسعى إليها ويصرّ عليها، و”محور المقاومة” الذي تقوده إيران، وتشارك فيه قوى متحالفة معها من غير الدول، يبدو في حالة دفاع عن النفس، ويصرّ على الوقوف في وجه الطموحات الاستعمارية الجديدة.
ما تزال الولايات المتحدة وإسرائيل عاجزتَين عن حسم الحرب لصالحهما، رغم الخلل الكبير في موازين القوة العسكرية
في إدارتها الشاملة هذه الجولة من الصراع غير المتكافئ، الذي يتسم بخلل شديد في موازين القوة العسكرية، اعتمدت إيران على عنصرَين رئيسيَّين من عناصر القوة الناعمة: إرادة صمود صلبة يعكسها بجلاء مصطلح “الصبر الاستراتيجي”، ومهارة فائقة في استخدام وتوظيف الأدوات الملائمة لإدارة الصراع في الوقت المناسب، مكّناها من فرض استراتيجيتها الرامية إلى استدراج الولايات المتحدة وإسرائيل إلى حرب استنزاف طويلة، وعدم السماح لهما بتحقيق النصر في حرب سريعة أو خاطفة. ففي إدارتها للبعد العسكري للصراع، واجهت إيران بنجاح حربَين فرضتا عليها، واستخدمت فيهما الولايات المتحدة وإسرائيل مختلف أساليب الخداع والتمويه. في الحرب الأولى، 12 يوماً، اهتمّت إيران بصفة خاصّة بإظهار قدرتها على إلحاق الأذى بإسرائيل، أملاً في أن يشكّل هذا عامل ردع يحول دون إطالة أمدها، وهو ما تحقّق حين بادر ترامب باقتراح وقف إطلاق النار بعد فترة قصيرة من شنّ الحرب. ويلاحظ هنا أنّ إيران لم تلجأ في هذه الجولة من المواجهة العسكرية لا إلى إغلاق مضيق هرمز ولا إلى ضرب القواعد العسكرية الأميركية في الخليج، على الرغم من أنّ الولايات المتحدة تكفّلت ضرب المنشآت النووية الحصينة بنفسها، لأنّها مهمّة لم يكن بمقدور آلة الحرب الإسرائيلية أن تقوم بها بمفردها. أمّا في الحرب الثانية التي سرعان ما اتضح أنّها حرب وجودية لا تستهدف إطاحة النظام الحاكم فحسب، وإنّما تدمير وتفتيت الدولة الإيرانية ذاتها، فقد بادرت إيران على الفور، وعلى نحوٍ متزامن، بإغلاق مضيق هرمز واستهداف جميع القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة في الوقت نفسه.
وعلى الرغم ممّا لحق بإيران من خسائر كبيرة إبّان الضربة الافتتاحية التي قضت على معظم قيادات الصفّ الأول، بمن فيهم المرشد الأعلى نفسه، إلّا أنّها صمدت، وتمكّنت من إلحاق خسائر ضخمة، ليس بإسرائيل فحسب، وإنّما بجميع القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وهو عامل لعب دوراً لا يستهان به في إجبار ترامب على قبول وقف إطلاق النار. وما تزال الولايات المتحدة وإسرائيل، حتى كتابة هذه السطور، عاجزتَين عن حسم الحرب لصالحهما، رغم الخلل الكبير في موازين القوة العسكرية بين المحورَين المتصارعَين.
أظهرت إيران براعةً في إدارة الملاحة في مضيق هرمز، فيما يوصف بـ”نموذج الإدارة الذكية للمضيق المغلق”
أمّا في إدارتها للبعد الدبلوماسي، فقد تجلّت بوضوح أكبر إرادة الصمود لدى إيران ومهارتها في توظيف الأدوات الملائمة في التوقيت المناسب. فقد أظهرت إيران براعةً واضحةً في الطريقة التي أدارت بها الملاحة في مضيق هرمز بعد إغلاقه، فيما يمكن وصفه بـ”نموذج الإدارة الذكية للمضيق المغلق”. وحين ردّت الولايات المتحدة على إغلاق المضيق بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، استخدمت إيران خبرتها المتراكمة المكتسبة من طريقتها في مواجهة العقوبات القصوى المفروضة عليها منذ زمن طويل، للتفلّت، ولو جزئياً، من الآثار المترتّبة على هذا الحصار. وحين صعّد ترامب، وحاول تمرير الناقلات المحتجزة عبر “مشروع الحرية”، تمكّنت إيران من إفشال هذا المشروع في أقلّ من 48 ساعة. لكن إنجازها الأكبر، على هذا الصعيد، يتجلّى في الطريقة التي أدارت بها المفاوضات غير المباشرة التي توسّطت فيها باكستان، فقد استطاعت أن تناور بطريقة مكّنتها من المحافظة على قوة الدفع في هذه المفاوضات، على الرغم من تعجّل ترامب وعصبيته وتهديداته التي لم تنقطع، ووصلت إلى حدّ تخييرها بين الاستسلام التامّ و”محوها من الوجود” و”القضاء على حضارتها”.
وحتى كتابة هذه السطور، كانت إيران قادرة، على الرغم من التهديدات، على رفض الاستسلام للشروط الأميركية، ومواصلة لعبة “تبادل المذكّرات”، وهي واثقة من قدرتها على الاستمرار في فرض سيطرتها التامّة على مضيق هرمز، وفي استخدامه، بذكاء، ورقةَ مساومة لصياغة معادلة جديدة مفادها: “حرّية الملاحة في المضيق مقابل إنهاء الحرب وإعادة الأموال المجمّدة ورفع العقوبات”. صحيح أنّها أبدت استعداداً واضحاً لتقديم تنازلات في برنامجها النووي، خصوصاً ما يتعلّق بفترة التجميد وبكيفية التصرّف في كمّية اليورانيوم عالي التخصيب التي ما تزال تحتفظ بها، غير أنّه يبدو واضحاً أنّها استطاعت إنقاذ برنامجها الصاروخي والمحافظة على علاقاتها الإقليمية، وشطب هذين البندَين من جدول أعمال المفاوضات، وهو ما يُعدّ إنجازاً كبيراً.
لم تُحسم هذه الجولة من الصراع بعد، غير أنّ رئيس الدولة الأقوى في العالم يبدو قلقاً ومرتبكاً وحائراً بين شعارَي “أميركا أوّلاً” و”إسرائيل أولاً”، بينما يقف نتنياهو، مجرم الحرب المطلوب للمثول أمام العدالة الدولية، في خلفية المشهد ممسكاً بعود ثقاب، ويستعدّ لإشعال فتيل الحرب من جديد. أمّا إيران فتبدو واثقةً من نفسها، مؤمنةً بعدالة موقفها وقضيتها، ومصمّمةً على وضع حدّ للعربدة الإسرائيلية والأميركية في المنطقة وفي العالم. وستثبت الأسابيع والشهور القليلة المقبلة أنّ من سيصرخ أولاً سينهار في النهاية، والأرجح أنّ إيران لن تكون الطرف الذي سيصرخ أولاً، وأنّ زمن العربدة والفجور الأميركي والإسرائيلي بدأ يقترب من نهايته.







