مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: مصر.. حيث بدأ التاريخ وصنع الله أعظم بلد منذ بدء الخليقة

في البدء كانت الكلمة، وفي البدء كان النيل، وفي البدء كانت مصر، ليس في هذا الكلام مبالغة شعرية ولا عاطفة مجردة، بل هو حقيقة يرددها العلم والتاريخ والجغرافيا بصوت واحد.

مصر هي النقطة التي التقت فيها السماء بالأرض لتبدأ أولى صفحات الحضارة الإنسانية.

إن الحديث عن “أعظم بلد منذ بدء الخليقة” ليس شعاراً يرفع في مناسبة عابرة، بل هو خلاصة منطقية لمن يقرأ سجل البشرية بعين متجردة، فيجد أن مصر كانت وستظل القلب النابض للوجود الإنساني، والمدرسة الأولى التي تعلم فيها العالم معنى المدنية والدين والفن والحكم.

حينما كانت معظم أركان المعمورة غارقة في ظلمات ما قبل التاريخ، أضاءت وادي النيل مشاعل المعرفة.

قبل أكثر من سبعة آلاف عام، استقر الإنسان المصري على ضفاف النهر الخالد، واخترع الزراعة، وأسس أولى القرى، ثم شيد أعظم إمبراطورية روحية وفكرية عرفها العالم القديم.

في مصر وُلد التقويم الشمسي الذي لا يزال العالم يعتمده، وفيها نُقشت أقدم النصوص الفلسفية والدينية التي تحدثت عن الحساب بعد الموت والبعث والخلود.

لقد سبق المصريون في صياغة مفهوم الدولة المركزية، وأقاموا أول جيش نظامي، وأبدعوا في الهندسة المعمارية فجاءت الأهرام شاهدة على قدرة هذا الشعب على تحدي الزمن ذاته.

والأهرام ليست مجرد حجارة مرصوصة، بل هي رسالة من الماضي تعلن أن مصر منذ بدء الخليقة حملت سر البقاء.

في الوقت الذي انهارت فيه حضارات عظيمة وابتلعها التراب، بقيت مصر واقفة، تتجدد كطائر الفينيق الذي عرفه أجدادنا الفراعنة في أسطورة “بنو”.

تعرضت مصر للغزو من الهكسوس والفرس واليونان والرومان والعرب والمماليك والعثمانيين والفرنسيين والإنجليز، وفي كل مرة خرجت أقوى، ممتصة ثقافات الغزاة ومحولة إياهم إلى مجرد فصول في كتابها الطويل.

يقول هيرودوت، المؤرخ الإغريقي الكبير: “مصر هبة النيل”. ونحن نقول بل النيل هبة مصر، لأن مصر وحدها هي التي استطاعت أن تحول مجرى النهر إلى شريان حضارة لا ينضب.

وفي العصر الحديث، يتجلى هذا العبقرية الفطرية في قناة السويس، ذلك الشريان الاصطناعي الذي اختصر المسافات بين الشرق والغرب وأكد من جديد أن الجغرافيا اختارت مصر لتكون ملتقى القارات وقلب العالم اللوجستي الذي يدق مع كل سفينة تعبر الممر المائي.

أما من يريد أن يبحث عن ضخامة التأثير الثقافي والديني، فليقف عند جبل الطور حيث تجلى الله على نبيه موسى في سيناء المصرية.

ومن مصر خرجت العائلة المقدسة لتبارك أرضها في رحلة الهرب المقدسة، فكانت مصر حامية الأنبياء وملاذ الرسالات.

وفي رحاب الأزهر الشريف، ظلت مصر لأكثر من ألف عام تمنح العالم الإسلامي عقلها الفقهي المستنير، وتصدر المذاهب الفكرية التي صاغت وجدان نصف سكان الكوكب.

لو سألنا علماء المصريات لماذا نعتبر مصر أعظم بلد منذ بدء الخليقة؟

لأجابونا بأنها صاحبة أقدم دولة قومية في التاريخ، ذات حدود سياسية واضحة ولغة مكتوبة هي الأولي في العالم القديم.

ولو سألنا الجغرافي لقال إن موقعها هو سر خلودها، فهي قلب العالم القديم وملتقى إفريقيا وآسيا وأوروبا.

ولو سألنا عالم الاجتماع لحدثنا عن “الشخصية المصرية” التي نسجت نسيجاً وطنياً فريداً من نوعه، متسامحاً قادراً على هضم التناقضات وصهرها في بوتقة الانتماء الواحد.

إنها مصر التي تخترع المجد كل يوم.حين تحدث أزمات عالمية، تراها تقف لتؤمن ممرات التجارة، وحين يحتدم النقاش حول السلام في الشرق الأوسط، تكون كلمتها هي الفصل.

في السينما والأدب، كانت مصر هوليوود الشرق ومكتبة العرب، بصوت أم كلثوم الذي يسري في العروق كالنيل، وبريشة نجيب محفوظ التي رفعت نوبل على ضفاف القاهرة، وبأفلامها التي حفرت في الذاكرة العربية صورة الحب والشجن والمقاومة.

وإذا تحدثنا عن “بدء الخليقة” بمعناها الجيولوجي، فالأمر لا ينفصل عن مصر أيضاً، فصخور الدرع العربي النوبي في صحرائها الشرقية تحكي قصة تشكل القارات قبل مليارات السنين، وفي صحرائها الغربية سجل حافريات يوثق للحظة خروج الحيتان من البحر إلى اليابسة، كأن مصر أرادت أن تكون مسرحاً لأول مشاهد الحياة على الأرض.

لكن العظمة الحقيقية ليست فقط في الأحجار والنصوص، بل في روح الشعب الذي يسكن هذه الأرض الطيبة.

إنه شعب يبتسم رغم الضيق، ويمزح مع التاريخ وكأنه ندّ له، يزرع ويبني ويغني، ويحول الأيام الصعبة إلى حكايات يتندر بها في المقاهي.

هذه الروح هي سر خلود مصر واستحقاقها لقب الأعظم منذ بدء الخليقة وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

نعم، مصر عظيمة ليس لأنها الأقدم، بل لأنها كانت الأقدم والأعمق والأبقى والأكثر تأثيراً في صياغة الوعي الإنساني.

هي أم الدنيا التي لم تجلس على عرش الزمن فحسب، بل خلقت العرش نفسه، وعلّمت الناس كيف يصنعون التاريخ.

ومن يشك في ذلك، فلينظر إلى قمة الهرم الأكبر وقت الغروب، حين تلمسه آخر أشعة الشمس، وسيدرك عندها أن الخالق حين أراد أن يكتب أول أسطورة على الأرض، اختار مصر لتكون حروفها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى