مقالات وآراء

حسام الدين علي يكتب: بعد 4 أشهر و16 جلسة من اجتماعات مجلس النواب.. المعارضة في الميزان

بمناسبة مرور 4 أشهر على انعقاد جلسات مجلس النواب المصري، أجد أنه من الضروري والواجب أن نلفت الانتباه إلى مسار أداء السادة النواب، دون توجيه لوم أو إشادة، وإنما تحليلًا مبنيًا على أرقام يمكن بها القياس، دون تمييز بين نائب وآخر أو بين حزب وآخر.

كنت قد اطلعت على الدراسة التحليلية التي يصدرها الصديق عبد الناصر قنديل، الخبير البرلماني، من خلال برنامج “تحت القبة” الذي يُبث على منصة “ليبرالي” التابعة لحزب العدل، وأيضًا على عدد من الدراسات التحليلية التي تبرزها بعض المقالات والتقارير، والتي أنوي التعليق عليها بشكل دوري بإذن الله.

هذه المرة سأجمل الأمور دون تفصيل، عسى أن يساهم تسليط الضوء في لفت انتباه السادة النواب أو الأحزاب إلى ضرورة تطوير الأداء، فنحن ننتظر منهم الكثير والكثير، ونتوقع أن يكونوا أكثر نشاطًا وحضورًا من البرلمانات السابقة، وأن يكونوا على قدر المسؤولية السياسية التي تتطلبها هذه المرحلة المهمة من مسار الإصلاح السياسي والحزبي والنيابي في مصر.

إن الدستور المصري، حين وضع اختصاصات مجلس النواب، لم يكن يقصد مجرد توزيع أدوار شكلية، بل رسم معادلة توازن دقيقة بين التشريع والرقابة، غير أن ما تكشفه الممارسة الفعلية داخل البرلمان خلال الفترة الأخيرة يشير إلى اختلال واضح في هذه المعادلة، حيث تراجع الدور الرقابي إلى حد يثير القلق، ويضع أداء المعارضة تحديدًا تحت اختبار حقيقي.

إن المعارضة تشكل حوالي 49 مقعدًا تقريبًا، ما بين مستقلين وأحزاب، وهو العدد الذي صوت للنائب محمود سامي الإمام على مقعد رئيس مجلس النواب، في مقابل 521 مقعدًا تمثل المؤيدين، وهم من صوتوا للمستشار هشام بدوي رئيسًا لمجلس النواب المصري.

ومن أجل تقديم تقييم موضوعي لأداء مجلس النواب، سنعود إلى عدد من المؤشرات المهمة، المؤشر الأول لما لوحظ من تراجع يتمثل في محدودية الأدوات الرقابية المستخدمة داخل الجلسات العامة.

فمن بين حزمة واسعة من الأدوات التي يتيحها النظام البرلماني، لم يظهر سوى نمطين فقط، وبأعداد محدودة لا تعكس حجم الملفات الساخنة في المجال العام، والأخطر من ذلك أن الأدوات الأكثر تأثيرًا، مثل الاستجوابات وطلبات الإحاطة، غابت تمامًا، وكأن الرقابة تحولت من وظيفة أصيلة إلى نشاط هامشي مؤجل.

لكن المشكلة لا تتوقف عند حدود الكم، بل تمتد إلى طبيعة الاستخدام ذاته، فطلبات المناقشة العامة، التي يُفترض أن تكون منصة لطرح القضايا الكبرى ومساءلة السياسات الحكومية، لم تتجاوز كونها إجراءات معلقة في أدراج اللجان دون نقاش فعلي.

أما الاقتراحات برغبة، فقد انزلقت في معظمها إلى مستوى المطالب الخدمية الضيقة، لتتحول إلى بديل غير مباشر لدور الإدارة المحلية الغائبة، بدلًا من أن تكون مكملًا لدور رقابي أشمل.

في هذا السياق، تبدو المعارضة الحزبية وكأنها غائبة، أو لا تدرك بعد ما هي أدواتها المتاحة لإحداث التأثير الإيجابي في المناخ السياسي. فالمفارقة اللافتة أن المستقلين، رغم محدودية مواردهم التنظيمية، كانوا الأكثر حضورًا في طرح طلبات المناقشة، وهو ما يكشف خللًا في أداء الأحزاب التي يُفترض أن تقود العمل السياسي داخل البرلمان.

هذا الغياب لا يمكن تفسيره فقط بضعف الإمكانيات، بل يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب الرؤية أو الإرادة في ممارسة دور رقابي حقيقي.

ولا يقل التوزيع الجغرافي للأدوات الرقابية دلالة عن ذلك، فمحافظات ذات ثقل سياسي وتمثيل برلماني كبير بدت شبه غائبة عن المشهد، بينما تصدرت محافظات أخرى المشهد بأدوات محدودة التأثير، وهذه المفارقة تطرح تساؤلات حول أولويات النواب، ومدى ارتباطهم بالقضايا العامة مقارنة بانشغالهم بملفات محلية ضيقة أو حسابات انتخابية قصيرة المدى.

في المقابل، يظهر أداء الأغلبية البرلمانية منحازًا بوضوح نحو الدور الخدمي، وهو أمر مفهوم في سياق السعي للحفاظ على القواعد الانتخابية، لكنه يصبح إشكاليًا حين يأتي على حساب الوظيفة الرقابية، فبرلمان يكتفي بتقديم خدمات جزئية، دون مساءلة السياسات العامة، يفقد تدريجيًا قدرته على التأثير في مسار الحكم.

ويزداد هذا المشهد تعقيدًا مع غياب آليات مؤسسية فعالة لتنظيم العلاقة بين البرلمان والحكومة، فلا جدول واضح لحضور الوزراء، ولا نمط منتظم لمناقشة الملفات القطاعية، ولا حتى استجابة ملموسة للضغوط المجتمعية التي تستدعي نقاشًا سياسيًا جادًا، فتكون النتيجة فراغًا رقابيًا واضحًا تتحرك داخله أدوات محدودة بلا أثر حقيقي.

في المحصلة، لا يمكن القول إن المعارضة غير موجودة، لكنها بالتأكيد ليست بالقدر المتوقع، فهي إما مشتتة بين جهود فردية غير منظمة، أو منخرطة في أدوار خدمية تُفرغ العمل البرلماني من مضمونه السياسي، وبين هذا وذاك، تبقى الرقابة غائبة، أو مؤجلة، أو مختزلة في حدود شكلية.

إن إعادة الاعتبار للدور الرقابي لا تتطلب فقط زيادة عدد الأدوات المستخدمة، بل تحتاج إلى تحول في فلسفة الأداء البرلماني ذاته، والتحول من منطق الوساطة الخدمية إلى منطق المساءلة السياسية، ومن رد الفعل إلى الفعل المبادر.

أرجو أن ينتبه النواب والأحزاب إلى أن هناك من ينتظر منهم الكثير.. وللحديث بقية.

المصدر: موقع الحرية الاخباري

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى