
بات من شبه المؤكد أن لبنان يقف أمام استحقاق حكومي جديد خلال الأشهر المقبلة، بعدما وصلت حكومة نواف سلام إلى ما يشبه الأفق المسدود سياسيًا وماليًا وإقليميًا.
الأسباب متعددة، تبدأ من الداخل اللبناني المتخم بالأزمات والتناقضات، ولا تنتهي عند التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، من الخليج إلى واشنطن وطهران.
التفاهم السعودي – الإيراني حول تخفيض منسوب التوتر الإقليمي لم يعد مجرد تسريبات ديبلوماسية، بل أصبح واقعًا سياسيًا يفرض نفسه تدريجيًا على ملفات المنطقة، وفي مقدمها لبنان. هذا المناخ الجديد لا يعني حلولًا سحرية، لكنه يؤسس لمرحلة مختلفة عنوانها: منع الانفجار، وإعادة إنتاج التسويات بدل الذهاب نحو المغامرات.
زيارة الموفد السعودي
في هذا السياق، جاءت زيارة الموفد السعودي يزيد بن فرحان لترمي حجرًا كبيرًا في المياه اللبنانية الراكدة.
الكلمات التي قيلت في الكواليس كانت أكثر أهمية من التصريحات العلنية:
السلم الأهلي أولًا، اتفاق الطائف خط أحمر، وعدم الذهاب بعيدًا في أي مفاوضات أو تسويات خارج المظلة العربية.
الرسالة التقطتها القوى السياسية بسرعة، خصوصًا أولئك الذين يجيدون قراءة التحولات قبل وقوعها.
نجيب ميقاتي ولحظة العودة
نجيب ميقاتي يدرك أن لحظة العودة قد تصبح ممكنة في أي وقت. الرجل محترف في إدارة التوازنات، ويملك شبكة علاقات واسعة مع عواصم القرار العربية والدولية. خبرته لا تكمن فقط في تشكيل الحكومات، بل في معرفة اللحظة المناسبة للدخول والانسحاب، وهي ميزة نادرة في الحياة السياسية اللبنانية. ميقاتي لا يتحرك بعشوائية، بل يقرأ اتجاه الرياح قبل الآخرين، ويعرف أن أي تسوية مقبلة تحتاج إلى شخصية قادرة على تدوير الزوايا لا تفجيرها.
تمام سلام المرشح الهادئ
أما تمام سلام، فيمثل نموذج “المرشح الهادئ”.
ينتمي إلى بيت سياسي عريق، ويحمل اسمًا يبعث على الطمأنينة داخليًا وخارجيًا. في لبنان، غالبًا ما تأتي المناصب إلى دارة المصيطبة بدل أن تسعى الدار إليها. سلام يملك رصيدًا من الحنكة والهدوء يجعله يتقن فن الانتظار، والانتظار في السياسة اللبنانية ليس ضعفًا بل مهارة نادرة. فهو يدرك أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة استعراضات سياسية، بل مرحلة احتواء الانهيار ومنع التصادم الداخلي.
فؤاد مخزومي وسقف الخطاب
في المقابل، يرى فؤاد مخزومي أن الفرصة قد تكون مؤاتية للوصول إلى السرايا الحكومية. وهو يعتبر أن تجربة نواف سلام في التشدد السياسي تصلح قاعدة للبناء عليها، لذلك يرفع سقف خطابه أكثر في ملفات التفاوض والعلاقة مع إدارة دونالد ترامب، محاولًا تقديم نفسه كخيار يحظى بقبول خارجي واضح.
لكن، وبغض النظر عن الطموحات الشخصية والسير الذاتية، تبدو الوقائع الإقليمية والداخلية أكثر ميلًا نحو شخصية توافقية لا صدامية.
فالمنطقة تتجه إلى تخفيض التوتر لا إلى إشعال الجبهات، ولبنان المنهك اقتصاديًا وأمنيًا لا يحتمل حكومة مواجهة أو رئيس حكومة يدخل السرايا بمنطق الغلبة السياسية.
لهذا، فإن معركة التكليف المقبلة لن تُحسم فقط داخل البرلمان، بل ستُرسم ملامحها من خلال تقاطع المصالح الإقليمية والدولية، ووفق معيار أساسي واحد:
من يستطيع حماية الاستقرار ومنع الانهيار الكامل؟
في لبنان اليوم، لم يعد المطلوب “رجل مرحلة التحدي”، بل “رجل إدارة التسوية”.







