الدكتور محمد الغمري يكتب: العقل السياسي المصري: الدوران بدل التراكم

المشهد السياسي المصري، رغم تغير الأنظمة والوجوه والشعارات، يتحرك غالبًا داخل الدوائر ذاتها، وكأن الزمن السياسي لا يتحرك إلى الأمام بقدر ما يعيد تدوير نفسه بأسماء مختلفة
1. الخوف من المستقبل وإعادة إنتاج الماضي
لا تبدو أزمة العقل السياسي المصري مجرد تعثرٍ في الإدارة أو اختلالٍ في موازين السلطة، بل أزمة أعمق تتصل بطريقة إدراك السياسة والتاريخ والزمن نفسه.
فالمشهد السياسي المصري، رغم تغير الأنظمة والوجوه والشعارات، يتحرك غالبًا داخل الدوائر ذاتها، وكأن الزمن السياسي لا يتحرك إلى الأمام بقدر ما يعيد تدوير نفسه بأسماء مختلفة.
والمشكلة هنا ليست في نقص الكفاءات أو ضعف الذكاء الجمعي، بل في بنية ذهنية تشكلت تاريخيًا على الخوف من التحول، والميل إلى استدعاء النماذج القديمة باعتبارها صيغًا جاهزة للنجاة.
ولهذا يتعامل جزء معتبر من العقل السياسي المصري مع الماضي بوصفه نموذجًا مكتملًا ينبغي استعادته، لا خبرة تاريخية ينبغي فهمها وتجاوزها وإعادة تركيبها وفق شروط العصر.
إنها ذهنية تفضّل إعادة إنتاج المألوف على تأسيس الجديد، وتخلط بين الاستقرار والجمود، وبين حماية الدولة ومنع المجتمع من الحركة.
ولذلك يصبح التغيير مصدرًا للقلق لا فرصةً لإعادة البناء، وتتحول السياسة إلى إدارة دفاعية للواقع بدل أن تكون قدرة على إنتاج المستقبل.
غير أن هذا الجمود لا ينشأ من الأفكار وحدها، بل من علاقة مضطربة مع الزمن نفسه.
فالمجتمعات التي تعيش طويلًا تحت ضغط عدم اليقين تميل تدريجيًا إلى الاحتماء بالماضي، لا لأنه أفضل بالضرورة، بل لأنه معروف وقابل للتوقع.
ومع الوقت يتحول الخوف من الفوضى إلى خوف من التغيير ذاته، ثم إلى خوف من المستقبل بوصفه مساحة مفتوحة على المجهول.
وهنا تفقد السياسة معناها التاريخي
فبدل أن تصبح أداة لإنتاج الممكن، تتحول إلى آلية لتأجيل المخاطر وإدارة القلق الجماعي.
ويصبح الهدف الضمني لأي سلطة أو نخبة أو خطاب سياسي هو منع الانهيار لا بناء المستقبل، فيدخل المجتمع تدريجيًا في حالة دفاع حضاري طويل؛ يحافظ على البقاء، لكنه يفقد القدرة على التقدم.
ولا يتعلق الأمر بتيار سياسي بعينه. فالإسلامي يستدعي “العصر النموذج”، والقومي يعيش داخل الحنين إلى الدولة المركزية الصلبة، والليبرالي يتعامل أحيانًا مع النماذج الغربية باعتبارها وصفات نهائية قابلة للاستنساخ، بينما تستمر الدولة نفسها في إدارة المجتمع بأدوات إدارية وأمنية تشكل وعيها في القرن العشرين، رغم أن المجتمع والعالم تحولا جذريًا.
الجميع يختلفون في المرجعيات، لكنهم يلتقون في شيء واحد: العجز عن إنتاج تصور جديد للزمن السياسي وللعلاقة بين الدولة والمجتمع.
وهنا تظهر الأزمة الأعمق:
أزمة الخيال.
فالخيال السياسي ليس ترفًا ثقافيًا، بل قدرة المجتمع على تصور الممكن قبل وجوده، وعلى إنتاج معنى للمستقبل يتجاوز حدود الخوف والذاكرة المغلقة.
وحين يفقد مجتمعٌ ما هذه القدرة، تتحول السياسة تدريجيًا إلى إدارة دائمة للمخاوف، لا إلى بناءٍ للمستقبل.
ولهذا يعجز العقل السياسي عن تصور صيغ جديدة للعلاقة بين الأمن والحرية، أو بين الاستقرار والمشاركة، فيعود تلقائيًا إلى الأدوات القديمة حتى بعد أن تفقد قدرتها على إنتاج الحلول.
فالذاكرة هنا لا تعمل بوصفها خبرةً تساعد على الفهم، بل بوصفها سلطة تمنع التجاوز. ومن ثمّ يصبح الماضي إطارًا مغلقًا لإدارة الحاضر، لا مادةً لإنتاج مستقبل مختلف.
2. البطل بوصفه بديلًا عن المجتمع
ولهذا ظل الخيال السياسي المصري يدور طويلًا حول فكرة “البطل المنقذ”.
فبدل النظر إلى النهضة باعتبارها عملية تاريخية معقدة تقوم على التراكم والمؤسسات وتوزيع القدرة داخل المجتمع، جرى اختزالها في صورة الفرد الاستثنائي: الحاكم القوي، أو القائد التاريخي، أو الرجل القادر وحده على إعادة ضبط الدولة وحسم الفوضى وإنقاذ الأمة.
ولم يرتبط هذا النموذج بمرحلة واحدة أو أيديولوجيا بعينها، بل أصبح جزءًا من البنية العميقة للوعي السياسي المصري.
فقد جرى تصوير محمد علي باشا باعتباره الفرد الذي “صنع مصر الحديثة”، بينما تراجعت في السردية العامة أدوار التحولات الدولية وشبكات الإدارة والعسكر والمعرفة التي سمحت أصلًا ببناء الدولة الحديثة.
ثم تكرر النموذج مع جمال عبد الناصر؛ حيث تحولت الدولة في الوعي الشعبي إلى امتداد مباشر لكاريزما الزعيم، أكثر من كونها بناءً مؤسسيًا قابلًا للاستمرار.
والمفارقة أن هذا النموذج استمر رغم تغير المرجعيات السياسية وتبدل الأنظمة.
فبعد هزيمة 1967 انصرف الجدل العام إلى سؤال القائد: هل أخطأ؟ هل خُدع؟ بينما غابت المراجعة البنيوية لطبيعة النظام السياسي وآليات اتخاذ القرار.
وحتى انتصار أكتوبر ارتبط في الوعي العام بشخص محمد أنور السادات أكثر من ارتباطه بمؤسسة عسكرية أعادت بناء نفسها عبر سنوات من التراكم والعمل الجماعي.
ثم تكرر المشهد بعد يناير 2011 بصورة أكثر سرعة وحدّة.
فبدل أن يتحول النقاش إلى كيفية بناء نظام سياسي جديد، عاد السؤال القديم للظهور: من هو الرجل القادر على استعادة الدولة؟
وخلال سنوات قليلة عاد الخيال السياسي ليدور حول الشخص المنقذ، بينما ظل السؤال المؤسسي مؤجلًا.
غير أن أخطر ما في نموذج “البطل” أنه لا يقتصر على المجال السياسي، بل يتحول تدريجيًا إلى طريقة عامة في فهم المجتمع والدولة.
ففي البيروقراطية تُدار المؤسسات بمنطق “الموظف الذي لا غنى عنه” لا بمنطق النظام القادر على العمل بصورة مستقلة.
وفي الإعلام يُعاد إنتاج صورة “الصوت الأوحد” الذي يحتكر تفسير الواقع وتحديد المعنى.
وحتى داخل الأحزاب والحركات السياسية تذبل المؤسسات سريعًا لحساب الشخصيات الكاريزمية، فيتحول التنظيم إلى امتداد للفرد بدل أن يكون أداة لإنتاج قيادات متعددة.
كما أن الاقتصاد السياسي نفسه يسهم في إعادة إنتاج هذه الذهنية.
فالمجتمعات التي تتآكل فيها الطبقات الوسطى المستقلة، وتتركز فيها الثروة والفرص، تصبح أكثر ميلًا للبحث عن “المنقذ” القادر على اختصار التعقيد وحسم القلق الجماعي.
وحين يفقد المجتمع استقلاله الاقتصادي النسبي، تتراجع قدرته على إنتاج فضاء سياسي مستقل، ويصبح الاعتماد على الدولة أو الفرد القوي بديلًا عن بناء القدرة الجماعية.
في البيئات التي تضعف فيها المؤسسات والمساحات الوسيطة، يصبح البحث عن البطل تعويضًا نفسيًا وسياسيًا عن غياب القدرة الجماعية.
فالشخصنة ليست فقط سببًا للأزمة، بل نتيجة لها أيضًا. والمجتمع الذي يفقد ثقته في قدرته على إنتاج الفاعلية بصورة جماعية، يبدأ تدريجيًا في البحث عن الفرد الذي يختصر الدولة والسياسة والمستقبل معًا.
3. حين يتحول الزمن السياسي من التراكم إلى الدوران
ومن هنا تتكرر الحلقة نفسها: تضخم دور الفرد، تراجع المجتمع، ضعف المؤسسات، ثم البحث عن فرد جديد يعيد إنتاج الوعد ذاته.
وهكذا يتحول الزمن السياسي من التراكم إلى الدوران. فالأزمة هنا ليست مجرد فشل في إدارة السياسة، بل اضطراب في العلاقة مع الزمن نفسه:
هل يُنظر إلى التاريخ باعتباره حركة مفتوحة نحو الممكن، أم باعتباره تكرارًا دائمًا لما جرى من قبل؟
ويظهر هذا الجمود كذلك في طريقة إدارة المجال العام.
فما تزال قطاعات واسعة من النخبة والدولة تفكر بمنطق السيطرة على الخطاب واحتكار المعنى، رغم أن العصر الرقمي حوّل المجتمع نفسه إلى منتج دائم للرأي والتأثير والمعرفة.
ولذلك تتسع الفجوة بين أدوات إدارة قديمة وواقع اجتماعي يتحرك بسرعة مختلفة تمامًا.
فالعقل الذي يعجز عن فهم تحولات المجال العام، يعجز بالضرورة عن تخيل مستقبل مختلف للدولة والمجتمع.
إن أخطر ما يواجه العقل السياسي المصري اليوم ليس فقط أزمة الاقتصاد أو الاستقطاب أو الإدارة، بل فقدان القدرة على إنتاج أفق سياسي جديد.
فالعقل الذي يخاف التحول، ويرى المستقبل تهديدًا، يظل محكومًا بإعادة تدوير الماضي مهما تبدلت الظروف والأشخاص ولهذا فإن المأزق الحقيقي لا يكمن في غياب “البطل المناسب” بل في استمرار البنية الذهنية التي تنتظر البطل أصلًا.
فالأمم لا تموت حين تضعف فقط، بل حين تفقد قدرتها على تخيل زمنٍ جديد.







