المرزوقي: الدولة العربية تحولت لخدمة الحاكم.. وتجدد الربيع العربي مسألة وقت

قدم الرئيس التونسي الأسبق د. محمد المنصف المرزوقي قراءة نقدية حادة لمسار الدولة العربية منذ مرحلة الاستقلال، معتبرًا أن ما عُرف بـ”الدولة الوطنية” في أغلب البلدان العربية انحرف عن أهدافه الأساسية، وتحول من مشروع لخدمة الشعوب إلى أداة لحماية السلطة وترسيخ حكم الفرد.
جاء ذلك خلال كلمته في الفعالية الفكرية التي أُقيمت بمدينة إسطنبول على هامش احتفالات قناة الشرق ببدء عامها الثالث عشر، وسط حضور سياسي وفكري وإعلامي عربي واسع.
وقال المرزوقي إن الشعوب العربية خاضت معارك طويلة من أجل الاستقلال وبناء الدولة الحديثة، لكنها فوجئت – بحسب تعبيره – بتحول الدولة في كثير من الأحيان إلى جهاز يخدم الحاكم والنخبة الضيقة بدل خدمة المواطن، مضيفًا أن المواطن العربي جرى التعامل معه باعتباره “رعية” لا شريكًا في صناعة القرار.
واعتبر أن ثورات الربيع العربي مثلت محاولة تاريخية لاستعادة الدولة وبناء دولة القانون والمؤسسات، وتحويل الشعوب إلى مواطنين أحرار يمتلكون حق المشاركة والرقابة والتغيير، إلا أن هذه التجربة تعرضت للإفشال نتيجة أخطاء داخلية، إلى جانب تدخلات إقليمية ودولية خشيت نجاح النموذج الديمقراطي العربي.
وأشار إلى أن ما أعقب فشل الربيع العربي أدى إلى تعميق الأزمات في المنطقة، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي، موضحًا أن السنوات الأخيرة شهدت توسعًا في القمع والسجون، وتفاقمًا في الانهيار الاقتصادي، إلى جانب تفكك عدد من المجتمعات والدول العربية وتراجع الروح المعنوية لدى الشعوب.
وتوقف المرزوقي مطولًا عند الحرب على غزة، معتبرًا أن ما جرى كشف حجم “الانهيار العربي الرسمي والشعبي”، واصفًا ما حدث بأنه “وصمة عار” على الأنظمة العربية وعلى الشعوب أيضًا، بسبب حالة العجز عن نصرة غزة أو حتى التعبير الشعبي بالمستوى الذي يليق بحجم المأساة.
ورغم هذا التوصيف القاسي، شدد المرزوقي على أنه لا يؤمن بفكرة نهاية الأمة العربية أو استحالة نهوضها من جديد، مستشهدًا بتجارب تاريخية مرت بها أمم كبرى مثل الصين وأوروبا، والتي تعرضت لفترات انهيار وحروب وفوضى، لكنها استطاعت لاحقًا استعادة قوتها وبناء مشاريع حضارية جديدة.
وأكد أن الشعوب لا تنهض إلا عبر “روح التحدي” واستعادة القدرة على الفعل، معتبرًا أن اليأس يمثل أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات العربية في هذه المرحلة.
كما توقع المرزوقي أن تشهد المنطقة مستقبلًا موجات جديدة من الربيع العربي، موضحًا أن الأسباب التي أدت إلى الانفجار الأول ما تزال قائمة، وفي مقدمتها القمع والفساد وغياب العدالة والأفق السياسي، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.
وطرح الرئيس التونسي الأسبق تصورًا لمشروع عربي جديد يقوم على إعادة بناء دولة القانون والمؤسسات، وصناعة “المواطن الحر” بدل ثقافة الرعية، إلى جانب إحياء الحلم الجماعي العربي القائم على التعاون والعمل المشترك.
ودعا إلى تجاوز فكرة “الزعيم المنقذ” والانتقال إلى منطق العمل الجماعي والمؤسساتي، معتبرًا أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على الفردية أو الاستبداد، بل على الشراكة السياسية والمجتمعية.
كما تحدث عن إمكانية الوصول مستقبلًا إلى شكل من أشكال “اتحاد الشعوب العربية الحرة”، على غرار التجربة الأوروبية، لكن على أسس ديمقراطية تحترم إرادة الشعوب وحقوق الإنسان.
وختم المرزوقي كلمته بالتأكيد على أن المعركة الحالية ليست فقط معركة ضد الاستبداد الداخلي، بل أيضًا معركة تحرر وطني وفكري وثقافي، مشددًا على أن الحفاظ على الأمل والحلم الجماعي يمثل ضرورة تاريخية لمنع الانهيار الكامل وإعادة بعث الأمة العربية من جديد.






