
لا نكاد نجد في التاريخ المعاصر شخصيةً جدليةً تتبوأ منصب وزير الدفاع وتشبه في نزقها وطبيعتها شخصيات وزراء الدفاع في أفلام هوليوود، كما هي الحال لدى بيت هيغسيث، وزير الحرب في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي لم يكن حتى معجباً بتسمية «وزارة الدفاع»، حتى غيّر اسمها إلى «وزارة الحرب» بمباركة من الرئيس ترمب.
عندما تولى هيغسيث منصبه اعتبر كثير من المراقبين قدومه نذير شؤم على منطقتنا والعالم، وكانت الوشوم الدينية التي تملأ جسده –وليس أقلها وشم كلمة «كافر» باللغة العربية– أول ما لفت العالم العربي والإسلامي نظراً لما تمثله من إشارات كراهية وذكريات مؤلمة.
عقيدة الهيمنة وتفوق العرق الأبيض
ويعتبر هيغسيث –النرويجي الأصل– مثالاً صارخاً على الشخصية المهووسة بالرؤى الدينية المسيحانية المختلطة بنزعة تفوق عرقي أبيض، فهو عضو في «اتحاد الكنائس الإنجيلية الإصلاحية» الذي أسسه القس دوغلاس ويلسون، المعروف بآرائه المثيرة للجدل، ودعمه لأفكار تفوق العِرق الأبيض وإبدائه آراء إيجابية تتعلق بالعبودية.
وأما تيار ويلسون الذي ينتمي له هيغسيث فهو يُدرَج ضمن ما يُعرف بتيار «الهيمنة الدينية» (Dominionism)، وهذا التيار يقوم بدوره على فهمٍ خاصٍ لما يسمّى «لاهوت العهد»؛ حيث يرى أتباعه أنهم يمثّلون في هذا العصر «شعب الله المختار»، وأنهم يشكّلون الامتداد الحقيقي لمملكة إسرائيل القديمة ويقومون مقامها، وأنهم يتداخلون معها ضمن عهدٍ إلهي متواصل عبر التاريخ.
وبهذه الصورة المعقدة يعتقد أتباع هذا التيار أنهم يشتركون في المسؤولية والملك والنفوذ التي لشعب الله المختار في التوراة، وبذلك تتداخل الحقوق والمصالح ضمن هذا التصور.
وبمعنى آخر، يرى هيغسيث أنه جزء من وارثي مملكة إسرائيل القديمة، وأن دعمه لـ«إسرائيل» الحالية جزء من وظيفة اختاره الله لها تمهيداً لعودة المسيح، كما كانت مملكة إسرائيل القديمة تمهيداً للظهور الأول للمسيح؛ أي أنه يمثل «شعب الله المختار» الحقيقي أكثر مما يمثله اليمينيون «الإسرائيليون» اليوم.
مسيرة متخمة بالتشدد.. من برينستون إلى غوانتانامو
عندما التحق هيغسيث بجامعة برينستون عام 1999م بدأ نشاطه المحافظ سريعاً، فانضم إلى مجلة «The Princeton Tory» المحافظة التي لا ترى بأساً في نشر آراء مرتبطة بتفوق العِرق الأبيض، وأصبح لاحقاً رئيس تحريرها، والمفارقة أن مؤسس هذه المجلة هو «الإسرائيلي»/الأمريكي اليميني يورام حزوني، أحد أتباع الحاخام مائير كاهانا الذي يعد الأب الروحي لتيار «الصهيونية الدينية» الذي يتزعمه سموتريتش اليوم في «إسرائيل».
وبعد تخرجه تطوع هيغسيث للخدمة في الجيش الأمريكي، وكان من المكلفين بالحراسة في سجن غوانتانامو، ثم خدم لاحقاً في العراق خلال الغزو الأمريكي عام 2003م، وبعدها في أفغانستان، وهكذا جاء صعوده متخماً بارتباطه بالتطرف، سواء فيما يتعلق بنظرية تفوق العِرق الأبيض أو العقيدة الإنجيلية المسيحانية التي ترى في خدمة «إسرائيل» خدمةً للرب.
وكان تطرفه الديني لافتاً للنظر على امتداد مسيرته، حتى إن وكالة «أسوشيتد برس» نشرت عام 2024م تقريراً أشار إلى استبعاده من مهام الحراسة الرسمية خلال حفل تنصيب جو بايدن بعد اعتباره خطراً محتملاً بسبب الوشوم الدينية التي يحملها، التي تعبر عن رؤى متشددة.
صليبية جديدة ودعوة للصدام الداخلي
في الداخل الأمريكي، يُعتبر هيغسيث من الشخصيات الصدامية الحادة التي لا تخفي آراءها المتطرفة، بل نشرها في أكثر من كتاب، أبرزها كتاباه «الحملة الصليبية الأمريكية» الصادر عام 2020م، و«الحرب على المحاربين» الصادر عام 2024م.
فالكتاب الأول يرى أن أمريكا تعيش حرباً حضارية داخلية وخارجية، ويطرح فكرة «حملة صليبية» ثقافية وسياسية لإنقاذ أمريكا، مع رفض لفكرة التوافق الديمقراطي التقليدي، متبنياً رؤية قائمة على فكرة الصراع التي تشبه نموذج هنتنغتون حول صدام الحضارات، لكن داخل المجتمع الأمريكي أيضاً، وهو بذلك يرى أن الحل مع اليسار الديمقراطي في الولايات المتحدة هو الصدام والإنهاء والإفناء، لا التوافق والقبول، وهذه في الحقيقة وصفةٌ لحربٍ أهلية!
أما الكتاب الثاني فيدعو إلى إعادة الجيش الأمريكي إلى نموذج «المحارب الصلب»، ويرى أن أجندات الجندر والعِرق والتنوع أضعفت الجيش الأمريكي، وأن الحل هو العودة إلى جيش ذكوري محافظ مجرد من الاعتبارات الثقافية والسياسية.
عداء الإسلام واستحضار رموز الحملات الصليبية
وما يهم منطقتنا من هذه الشخصية كرهه الشديد للإسلام وتمجيده للحروب الصليبية، فقد كان طالباً خلال أحداث 11 سبتمبر، وكان من الشخصيات التي اتسم خطابها بالعداء لكل ما يمت للإسلام بصلة في جامعته آنذاك.
أما الوشوم التي تغطي جسده فتعطينا فكرة واضحة عن طبيعته؛ إذ نرى على صدره وشم «صليب القدس» الذي يمثل مملكة بيت المقدس اللاتينية خلال الحروب الصليبية، وعلى ذراعه عبارة «Deus vult» التي تعني «الرب يريد ذلك»، وهو شعار الحملة الصليبية الأولى، كما كان الشعار المعلن لواحدةٍ من أخطر الفرق الصليبية في القدس في ذلك الزمن، وهي فرقة «فرسان المعبد» الذين اعتبرهم السلطان صلاح الدين مجرمي حربٍ لا يجوز العفو عنهم، عندما أسَرَهم في معركة «حطين»، وأمر بإعدامهم إلى جانب أرناط، أمير الكرك.
كما تظهر كلمة «كافر» بالعربية، إلى جانب وشم لصليب كبير على شكل سيف مع كلمة «يشوع» بالحروف العبرية، وغيرها من الرموز ذات الدلالات نفسها.
نبوءات الدمار وقيادة أقوى جيوش العالم
وتعكس هذه الوشوم مدى تأثره بتيار دوغلاس ويلسون، كما تكشف تقاطع أفكاره مع الرؤى المسيحانية لتيار الصهيونية الدينية في «إسرائيل»، الذي يرى نفسه في مهمة مقدسة لاستقدام المسيح المنتظر عبر تهيئة الظروف التي تشير إليها النصوص الدينية.
وقد عبّر هيغسيث عن ذلك صراحة عام 2018م عندما زار القدس خلال ولاية ترمب الأولى، فقال: «نحن نعيش زمن المعجزات؛ فعام 1948م (قيام «إسرائيل») كان معجزة، و1967م (احتلال شرقي القدس) كان معجزة، و2017م (الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمةً) كان معجزة، ولا أظن أن هناك ما يمنع من أن نرى معجزة بناءِ المعبد الثالث في زماننا».
كما أثير كثير من الجدل قبل عدة أشهر بعد شكوى رفعها بعض الجنود الأمريكيين أفادت بأنهم تعرضوا لجلسات دينية تبشرهم بأن الحرب الجارية على إيران مقدمة لعودة المسيح، وأن الرئيس ترمب «ممسوح دينياً» ومؤيد من الله، وهي أفكار تتطابق مع رؤية هيغسيث.
وهذا النوع من الخطاب الديني الرغائبي في غاية الخطورة، لأنه يستعمل الأدوات السياسية لاستدعاء الرؤى والأساطير الدينية، لا العكس، فبدلاً من أن يدرس وزير الحرب الأبعاد الإنسانية والسياسية والاقتصادية لقراراته، فإنه يستعين بالتفسيرات اللاهوتية ومدى توافق قراراته مع ما يراه تحقيقاً لرؤيته الدينية باعتباره مختاراً ومبعوثاً من الرب.
وهذه العملية شديدة الخطورة؛ لأن السياسي فيها يعمي عينيه عن آثار أفعاله لصالح الغيبيات، ويقتنع بأنه مؤيد من الله، وأن أفعاله مهما بدت حمقاء أو غير مفهومة فإنها تندرج ضمن «خطة الله»، وأن المعجزة ستحدث في النهاية ليظهر معها مجد الرب، ولنا أن نتخيل نتائج ذلك عندما لا تتحقق تلك الأساطير بعد أن يتم تدمير العالم انتظاراً لها.
ومن المذهل أن نرى عالمنا اليوم يتقاسم مصيره طرفان كلاهما يرى نفسه ممثلاً للرب في الأرض ومنفذاً لإرادته؛ هيغسيت وتياره من جهة، وسموتريتش وتياره من جهة أخرى.
وغني عن القول: إن تسليم مهووس بالأساطير الدينية والتفسيرات الممزوجة بخليطٍ فَجٍّ من الفوقية والشعور بالتفوق العِرقي قيادة أقوى جيوش العالم، هو في الحقيقة حكم على الكرة الأرضية بالإعدام.





