
لا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي المتدرّج في جنوب لبنان عن التحولات الكبرى التي تجري في الإقليم، وخصوصًا ما يُتداول عن تفاهمات أميركية – إيرانية قيد التبلور، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسطاء. فإسرائيل تنظر إلى أي اتفاق بين واشنطن وطهران باعتباره تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، حتى لو تضمّن بنودًا أمنية أو نووية أو اقتصادية ظاهرها “التهدئة”.
في العقل الإسرائيلي، المشكلة ليست فقط في البرنامج النووي الإيراني، بل في بقاء إيران لاعبًا إقليميًا قادرًا على إعادة إنتاج نفوذه من العراق إلى سوريا ولبنان وغزة. لذلك، فإن أي اتفاق يخفف الضغط عن طهران يعني بالنسبة إلى تل أبيب منح خصمها وقتًا إضافيًا لإعادة التموضع وترميم أدواته.
إعادة صياغة الجغرافيا الأمنية
من هنا يمكن فهم السلوك الإسرائيلي المتصاعد في جنوب لبنان، والذي يتجاوز مفهوم “الردع الموضعي” إلى محاولة إعادة صياغة الجغرافيا الأمنية بالكامل. إسرائيل لا تريد فقط إبعاد الخطر عن الحدود، بل تسعى إلى خلق منطقة رخوة ومفرغة استراتيجيًا، أشبه بحزام نار دائم يمنع أي بنية عسكرية أو لوجستية أو بشرية قابلة للاستخدام مستقبلاً.
الحديث عن “جرف” جنوب لبنان لا يقتصر على التدمير العسكري التقليدي، بل يتصل بفكرة أعمق: تفكيك البيئة التي تسمح باستمرار أي مقاومة مسلحة على المدى الطويل. وهذا يفسّر التركيز على البنى التحتية، والطرق، والمراكز الحيوية، وحتى الضغط النفسي على السكان عبر الإنذارات الواسعة والمتكررة.
إسرائيل بعد “طوفان الأقصى” ليست كما قبله. الصدمة التي تلقّتها المؤسسة الأمنية والعسكرية دفعتها إلى تبنّي عقيدة أكثر عنفًا وأقل خضوعًا للقيود السياسية والأخلاقية التقليدية. هناك قناعة داخل جزء واسع من النخبة الإسرائيلية أن التردد السابق أو إدارة الصراع بأسلوب الاحتواء هو الذي أوصل المنطقة إلى هذا الانفجار الكبير.
جبهة شمالية تهدد العمق الإسرائيلي
لذلك، تبدو تل أبيب اليوم مستعدة لدفع أثمان أعلى، سواء على مستوى صورتها الدولية أو حتى الخسائر العسكرية، مقابل تحقيق هدف استراتيجي أكبر: منع تشكّل “جبهة شمالية” قادرة على تهديد العمق الإسرائيلي لعقود مقبلة.
التوقيت هنا بالغ الحساسية. فالتقاطع بين الحديث عن اتفاق أميركي – إيراني وبين التصعيد جنوب لبنان ليس صدفة. إسرائيل تريد أن تقول لواشنطن أولًا إنها قادرة على فرض وقائع ميدانية قبل أي تسوية كبرى، وتريد أن تبلغ طهران ثانيًا أن نفوذها الإقليمي لن يبقى محصنًا حتى لو حصلت على رفع جزئي للعقوبات أو اعتراف سياسي بدورها.
بمعنى آخر، إسرائيل تحاول استباق أي مرحلة تهدئة إقليمية عبر تغيير الوقائع بالقوة. إنها تسعى إلى الوصول إلى لحظة يصبح فيها جنوب لبنان منطقة مستنزفة ومنهكة وغير قابلة لإعادة إنتاج التهديد السابق، حتى لو تبدّلت الظروف السياسية لاحقًا.
البحث عن صورة انتصار
ولا يمكن تجاهل البعد الداخلي الإسرائيلي. حكومة بنيامين نتنياهو تدرك أن أي نهاية للحرب من دون “صورة انتصار” ستفتح الباب أمام زلزال سياسي وقضائي وأمني داخل إسرائيل نفسها. لذلك، فإن توسيع العمليات أو رفع السقف العسكري قد يكون أيضًا محاولة لإنتاج إنجاز يعيد ترميم الردع والصورة المهشّمة منذ السابع من أكتوبر.
لكن المخاطرة هنا هائلة. فسياسة الأرض المحروقة قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة، خصوصًا إذا تحولت المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة، أو إذا انزلقت المنطقة إلى اشتباك إقليمي مفتوح تتداخل فيه الساحات العراقية والسورية واليمنية والبحر الأحمر.
في العمق، تبدو المنطقة أمام مرحلة إعادة رسم موازين قوى، لا مجرد جولة عسكرية عابرة. وما يجري في جنوب لبنان قد يكون جزءًا من محاولة إسرائيلية لفرض حدود جديدة للنفوذ الإيراني بالنار، قبل أن تُرسم هذه الحدود على طاولة التفاهمات الدولية.







