مقالات وآراء

د. إبراهيم محمود خليل يكتب : «مكان وسط الزحام».. سيرة تخطى صاحبها العقبات فصار شعلة تضيء للسراة الطريق

هذه سيرة ممتعة بما فيها من تشويق: طفل من محافظة المنيا في وسط الصعيد، اسمه عمار علي حسن، استطاع تجاوز الكثير من الصعاب التي اعترضت طريقه، وأن يحقق الكثير بالرغم من تواضع المنشأ، وفقره، وما عاناه في صغره من توحد، أو ما يشبه التوحد، ومن اضطرابات النطق، أو صعوبة التعلم.

ففي السنوات الأربع الأولى في المدرسة الابتدائية التي التحق بها في ظروف معقدة كاد أن ييأس منه المعلمون. ولكنه بعد السنة الرابعة تحسنت قابليته وبدأ يتفوق، بل أبدى في بعض المواد تفوقًا مذهلًا. وتغلب على اضطرابات النطق، وصعوبات الكتابة، ونجح في الالتحاق بالثانوية خلافًا لرغبة أبيه الذي كان يريد له الذهاب لمعهد المعلمين، مكتفيًا بالإعدادية المتوسطة.

ونجح في الثانوية العامة، وتأهل للالتحاق بالجامعة لا بالمنيا، وإنما في القاهرة. درس الاقتصاد والعلوم السياسية في سنوات جمع فيها بين العمل في مشروعات البناء، وفي الزراعة، والدراسة، للتغلب على ضيق ذات اليد. وأدى الخدمة العسكرية التي تعرض خلالها لبعض الإشكالات فاستل نفسه من كوابيسها مثلما تُسل الشعرة من العجين.

وتخبرنا السيرة التي اتخذت عنوان «مكان وسط الزحام.. تجربة ذاتية في عبور الصعاب»، والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، أن صاحبها قد اكتسب في هذه المراحل عددًا من الصفات، أولاها البراءة التي تذكر الناس بأنه طفل كبير، والصبر والجلد، ومجالسة الكبار، والجرأة في قول الحق، وعزة النفس.

ولم تغب عن عمار الحكايات التي تفصح عن مشاعره، وميوله كالشغف بمشاهدة السينما، والقراءة التي لا تقتصر على الكتاب المدرسي، أو الجامعي، بل الشعر والقصص والروايات وكتب الفلسفة والمجلات ذات المستوى العلمي، والثقافي، كمجلة الكاتب، وعالم الفكر، والعربي، والفكر المعاصر، وأدب ونقد، ومجلة المجلة، والهلال، وغيرها.. فتكونت لديه خلفية ثقافية تؤهله للدور الذي نذرته له ظروفه وبيئته وثقافته.

وعلى الرغم من هذه الجدية التي اتصف بها تعرض لعقوبة من أمه على حزمة بصل أخضر اقتلعها محاكاة لصحبه من زرع أحد الجيران. ونشأ عمار على خصلة أخرى، وشيمة محمودة ثانية، وهي ألا يمد يده لما ليس له.

وتعرض في صباه لأكثر من حادثة كادت تودي به إلى القبر. فهو يعدد هذه الحوادث حامدًا الله على نجاته. ومع ذلك فإن الذي نشأ على هواية الرياضة لا سيما كرة القدم استيقظ مؤخرًا ليجد نفسه متفرجًا كسولًا تتمدد الشحوم في جسمه ليشكو الضغط، وارتفاع الكوليسترول، ويعاني آلام المفاصل، ومن الدهون على الكبد، وبعض المتاعب في الكليتين. وهناك ست قصص حب سبقت زواجه.

صيد الحكايات

ويشير المؤلف في الجزء الذي عنونه بـ«صيد الحكايات» إلى ولعه المبكر بالحكاية، فكان شغوفًا بحكايات والده عن أبي زيد الهلالي، وذياب ابن غانم. وخالته الصغرى التي تحكي له حكايات اكتشف لاحقًا أنها من ألف ليلة وليلة، أو من التراث الشعبي.

وبهذا الولع بدأت بذرة الموهبة الأدبية بالنموّ، والنضج، فغناء خالته الكبرى شجعه على نظم الشعر، وحكايات تغريبة بني هلال، والزيبق، وألف ليلة، جعلته يتجه لكتابة القصة.

ففي العام 1988 اطلع مع أحد زملائه على إعلان في الجامعة عن جائزة في القصة للفائز فيها ثلاثون جنيهًا، وهو مبلغ جيد في ذلك الوقت. وتقدما، هو فاز، وزميله لم يفز، وتقاسما الجائزة، لكن الأثر لم يأتِ من مبلغ الجنيهات الثلاثين، بل من أنَّ عمارًا فاز متقدمًا على زميل آخر، وهو قاص معروف ينشر قصصه في ملحق صحيفة المساء الذي يحرره الروائي محمد جبريل.

فتقدمه على قاص ذي خبرة، عزز لديه حماسته لكتابة القصص، وعمَّق الاتجاه لديه نحو الإبداع الأدبي، وبدأ الشاعر الذي فيه يتراجع مخليًا مكانه للقاص.

بعد فوز قصته تلك، وتفوقها على قصة كاتب سبقه إلى النشر، بدأ يتردد على ندوة محمد جبريل في صحيفة المساء، وفي نقابة الصحفيين. وابتدأ يفكر في نشر أول مجموعة قصصية في سلسلة «إشراقات أدبية»، غير أنه عدل عنها فكانت «عرب العطيات» هي مجموعته الأولى 1998. وبعدها نشر روايته الأولى «حكاية شمردل» وبلغ به الانشغال بالأدب أن اختار موضوع «القيم السياسية في الرواية العربية» موضوعًا لأطروحته في الدكتوراه تخصص العلوم السياسية.

وظل توفيقه بين الأدب والسياسة سؤالًا يواجهه دائمًا. فصديقه محمد السيد سعيد، الذي شاركه الاهتمام بالأدب وبالسياسة، تخلى عن الأدب مؤثرًا السياسة، حتى بلغ به الأمر أن أتلف وأحرق بالنار ما كان قد كتبه، وجمعه من قصص.

مع نجيب محفوظ

ومن شدة شغف المؤلف عمار علي حسن بالموضوعين السياسة والأدب اقترب من عالم نجيب محفوظ، ولا سيما بعد أن تسلم منه جائزة القصة التي منحت له من صحيفة «أخبار الأدب» عام 1994 واختلف إلى ندوته ذات يوم، ثم انقطع عنها كي لا يصنَّف عضوًا في جمعية المنتفعين بنجيب محفوظ.

وقد واجه المؤلف الكثير من الصعوبات مع الناشرين، وذكر أمثلة منها قبل أن يتغلب على بعضها، فأخذت مجموعاته القصصية تصدر تباعًا، وكذلك رواياته، لافتًا النظر لتجربته في الكتابة الروائية، موردًا بعض الشهادات التي تؤكد لنا سعادته بتلقي القراء لتلك الأعمال التي حظيت بالرضا والإعجاب، لا من قراء عاديين فحسب، بل من آخرين متخصصين لهم باع طويل في النقد.

وهو يشير إلى هذا غير غافل عن متابعة دراسته العليا للماجستير، والدكتوراه، على أمل أن يصبح مدرسًا في الجامعة، وهذا غاية ما يطمح إليه بعد أن احتل موقعًا وسط زحام المبدعين.

من هنا كانت رسالته للماجستير عن الصوفية والسياسة في مصر. أما في اختياره لموضوع الدكتوراه فقد تلقى نصائح كثيرة جدًا ودعاه د. كمال المنوفي لمتابعة موضوعه السابق فيتقصى القيم السياسية لدى الطرق الصوفية في الرواية العربية.

واستقر على هذا الموضوع الذي أنجزه في أثناء عمله في أبو ظبي، ونشرت الرسالة في كتاب مرارًا بعنوان «النص والسلطة والمجتمع: القيم السياسية في الرواية العربية»، ويَنقل عن عز الدين إسماعيل أحد أعضاء لجنة المناقشة قوله: إن الباحث صار ناقدًا أدبيًا عدا عن كونه باحثًا في العلوم السياسية.

بعد الدكتوراه، والتوق للعمل في الجامعة، وتعذر ذلك، شرع يكتب في الصحف والمجلات: في صحيفة الخليج وفي الأهرام وفي صحيفة الحياة التي تصدر في لندن، وفي مجلات مشهورة كمجلة المستقبل العربي التي تصدر في لبنان، وشؤون عربية التي تصدر عن جامعة الدول العربية.

وهكذا فرض اسمه وسط الزحام أديبًا في القصة والرواية، وباحثًا في جوانب متعددة من الفكر، وشؤون الساعة. وهذه شهادة تنم عن مثابرة وصلابة وطموح لا توقفه الصعوبات عند حد.

وذات يوم اتصل به جمال البنا، عارضًا عليه أن يجري حوارًا معه لقناة دريم الفضائية، وكانت هذه التجربة هي التجربة الأولى له في هذا المجال. بعد هذا الحوار الذي عرض في 30 حلقة كل حلقة منها ستون دقيقة، جاءه عرض آخر مشابه من قناة روتانا.

وقد صُنِّفَ البرنامج الذي أعده ضمن أفضل البرامج. ويعود الفضل للدكتورة نازلي معوض في ترشيحه لأول برنامج تلفزيوني، وهذا سبب كافٍ ليستعيد الذكريات مع الأساتذة الذين تتلمذ لهم بدءًا من الابتدائي حتى الدكتوراه. فيذكر كلًا منهم، وما كان من مواقف مسلية، أو مضحكة، أو حتى غير محبَّذة، مما أضفى على هذا الجزء من سيرته تشويقًا، ومتعة، وتسلية. في لغة أدبية رشيقة لا تخلو من حوار لطيف رشيق، ودمثٍ رقيق.

«مكان وسط الزحام» هي عن طموح، وإنجازاتٌ، ليست يسيرة. فقد شبَّه المؤلف رحلته هذه برحلة من يصعد جبلًا يريد أن يبلغ فيه القمة، وكلما توقع الانزلاق عن صخوره حفر في الصخر ما يساعده على الثبات، واستئناف الصعود، فهو بهذه المثابرة، وتحدي العقبات، قدوة للأجيال، وشعلة تضيء للسراة الطريق.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى