
بقلم د. عبد الفتاح طوقان
تُعتبر إيران واحدة من أقدم الحضارات المستمرة في العالم، إذ يعود تاريخها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام. لقد شهدت هذه الأرض أحداثًا تاريخية متعددة شكّلت هويتها الثقافية والدينية، مما جعلها لاعبًا رئيسيًا في السياسة الإقليمية. ونستطيع أن نوجز مراحل إيران التاريخية فيما يلي:
أولًا: أصول الزرادشتية حوالي 600 ق.م
تأسست الزرادشتية على يد النبي زرادشت، وارتبطت بتطوير الهوية الروحية والثقافية لإيران. هذه الديانة شكّلت الأساس لعدد من المفاهيم الفلسفية والدينية التي أثرت فيما بعد على الأديان الأخرى.
ثانيًا: الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي
في عام 633 م، بدأت الفتوحات الإسلامية التي أدت إلى إدخال الإسلام إلى إيران، مما تسبب في تحول الدين والثقافة الإيرانيتين. وتطور الإسلام الشيعي في إيران ليصبح جزءًا أساسيًا من الهوية الوطنية.
ثالثًا: الغزوات التركية والمغولية في القرنين الحادي عشر والثالث عشر
تعرضت إيران لغزوات الأتراك السلجوقيين والمغول، مما أدى إلى تدمير العديد من المدن الكبرى وتغيير التركيبة الإثنية والثقافية.
رابعًا: الدولة الصفوية منذ القرن السادس عشر
تأسست الدولة الصفوية في عام 1501، مما عزز الهوية الشيعية في إيران، وجعلها مركزًا للثقافة والفنون الإسلامية.
خامسًا: الأزمة القاجارية في القرن التاسع عشر
عانت إيران تحت حكم الأسرة القاجارية من الأزمات الداخلية والخارجية، مما أدى إلى ضعف السلطة المركزية.
سادسًا: الثورة الدستورية 1905-1911
شهدت إيران ثورة دستورية تطالب بالإصلاحات السياسية، مما مهّد الطريق لتطور الفكر السياسي الحديث.
سابعًا: الأسرة البهلوية منذ 1925
أسس رضا شاه البهلوي نظامًا ملكيًا حديثًا، إلا أنه تعرض للإطاحة في ثورة عام 1979 التي قادها الخميني.
ثامنًا: الجمهورية الإسلامية بعد 1979
أسس النظام الجديد مبادئ تستند إلى الهوية الإسلامية، مع التركيز على مقاومة القوى الغربية.
وللعلم، فإن لإيران أهمية كبيرة في التأثير الإقليمي تعتمد فيه على عدد السكان، حيث يُقدّر عدد سكان إيران بحوالي 85 مليون نسمة. وكذلك على القوة العسكرية؛ لأن إيران من أقوى الدول العسكرية في المنطقة، حيث تمتلك جيشًا قويًا وقوات شبه عسكرية مثل الحرس الثوري، الذي يلعب دورًا محوريًا في السياسة الداخلية والخارجية.
ولا يمكن إنكار الأهمية الجغرافية، حيث تقع إيران في قلب الشرق الأوسط، مما يمنحها موقعًا استراتيجيًا في مجالات الطاقة والنفط، ويجعلها لاعبًا رئيسيًا في السياسة الإقليمية.
ويتساءل كثيرون: لماذا التخوف من إيران؟ ولماذا تتخذ بعض الدول العربية مع عدوتها المفترضة إسرائيل موقفًا في مواجهة إيران وتسعى لتدميرها؟
وأقصد أن إسرائيل وبعض الدول العربية تخشى من النفوذ المتزايد لإيران في المنطقة لأسباب عدة، مثل البرنامج النووي، الذي يُعتبر مصدر قلق كبير، حيث يخشى العديد من الدول من أن يؤدي ذلك إلى سباق تسلح نووي في المنطقة يهدد إسرائيل.
كما أن الدعم العسكري الذي تقدمه إيران لجماعات المقاومة المسلحة مثل حزب الله في لبنان، يعزز من موقفها الاستراتيجي.
وتخشى بعض الدول العربية الهوية الشيعية، حيث يُعتبر تعزيز الهوية الشيعية في الدول ذات الأغلبية السنية تهديدًا لسلطتها ونفوذها، أو هكذا تعتقد وتسوّق الأنظمة الحاكمة بها.
إن تاريخ إيران يعكس حضارة غنية ومعقدة، تمثل تحديًا كبيرًا أمام القوى الإقليمية والدولية. إن تأثيرها المستمر على منطقة الشرق الأوسط لن ينتهي، وقد حاولت أمريكا وإسرائيل وفشلتا، ولذلك فإن تأثيرها يجعلها لاعبًا رئيسيًا مستمرًا في السياسة العالمية.
وهي أيضًا ذات أهمية بالغة لكل من الصين وروسيا، التي تقف في وجه التحديات الأمريكية، مما يستدعي دراسة أعمق لفهم الديناميكيات التاريخية والسياسية التي تحكم هذه المنطقة، وكيفية التعامل معها بما يحقق المصالح الوطنية، عوضًا عن الانجراف السياسي وراء الأهداف الاستعمارية الغربية التي لا يهمها إلا مصالحها الخاصة وأمن إسرائيل الساعية إلى إقامة دولة يهودية عقائدية بين نهري النيل والفرات.
ويجب ألا ننسى أن إيران ذات الثلاثة آلاف عام من التاريخ، تقف في مواجهة أمريكا ذات المائتي عام من التأسيس، والتي تدعم الكيان الغاصب للأرض الفلسطينية.
للتاريخ “حق الوجود”.
[email protected]





