
ليست كل الأحداث متساوية في أثرها. فبعضها يمر كما تمر الأيام العادية، ثم يذوب تدريجياً في زحام الأخبار وتبدّل الاهتمامات. وبعضها الآخر يبقى حاضراً حتى بعد أن تهدأ الضوضاء، وتعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد، وتختفي العناوين العاجلة من الشاشات. وليس الفرق بين النوعين حجم الحدث وحده، بل قدرة المجتمع على حفظه وفهمه ووضعه في مكانه الصحيح من ذاكرته الوطنية.
ما جرى في مطار الكويت اليوم سيُقرأ بطرق مختلفة. سيقرأه البعض بوصفه حادثة أمنية، وسيضعه آخرون في سياق الصراعات التي تشهدها المنطقة، بينما سيتوقف فريق ثالث عند تداعياته الاقتصادية أو السياسية. غير أن ثمة جانباً آخر لا يقل أهمية عن كل ما سبق، وربما يفوقه أثراً على المدى البعيد: كيف سنحفظ هذه اللحظة؟
في العادة تنشغل الدول، وهذا أمر طبيعي، بإدارة الحدث نفسه. تعالج الأضرار، وتطمئن الناس، وتعاد الخدمات إلى طبيعتها، وتتخذ الإجراءات اللازمة لمنع تكراره. لكن هناك مهمة أخرى تبدأ في اللحظة ذاتها، وإن كانت أقل حضوراً في المشهد العام؛ مهمة حفظ الذاكرة.
الدول لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي ذاكرتها أيضاً. وإذا كانت الحدود تحفظ السيادة في الحاضر، فإن الذاكرة تحفظها في المستقبل. فالأمم لا تبنى بما تتجاوزه من أزمات فحسب، بل بما تتعلمه منها، وبالطريقة التي تختار أن تتذكرها بها.
ولعل الكويت تعرف هذه الحقيقة أكثر من غيرها. فبعد الغزو العراقي لم يبقَ في الوعي الوطني حجم الدمار وحده، بل بقيت الصور والشهادات والقصص والوثائق التي حفظت تلك المرحلة للأجيال اللاحقة. لم تكن تلك المواد مجرد أرشيف، بل جزءاً من فهم الكويتيين لتاريخهم وتجربتهم الوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن ما جرى اليوم لا ينبغي أن يترك ليصبح مجرد خبر قديم في أرشيف الصحف. فهناك قيمة وطنية حقيقية في حفظ شهادات من عاشوا تلك الساعات؛ العامل الذي كان في موقعه، والمسافر الذي وجد نفسه في قلب الحدث، ورجل الإطفاء الذي تعامل مع آثاره، والطبيب الذي استقبل المصابين، والمسؤول الذي شارك في إدارة الأزمة. فالتاريخ لا يتذكر البيانات وحدها، بل يتذكر الأصوات أيضاً.
غير أن حفظ الذاكرة لا يكون بالارتجال، ولا بردود الفعل العابرة. بل يحتاج إلى عمل مؤسسي هادئ ومنهجي. أرشيف يجمع الشهادات والصور والوثائق والتسجيلات والتسلسل الزمني للأحداث، لا بوصفها مادة إعلامية مؤقتة، بل باعتبارها جزءاً من السجل الوطني للكويت. فالتوثيق حين يكون علمياً يتحول إلى معرفة، وحين يكون عشوائياً يتحول إلى شظايا متناثرة يبتلعها النسيان مع مرور الوقت.
والنسيان، في كثير من الأحيان، أكثر خطورة مما نظن. فالتاريخ لا يضيع دفعة واحدة، بل يضيع بالتفاصيل التي لم تحفظ، وبالقصص التي لم تُروَ، وبالوثائق التي لم تجمع في وقتها. وما لا نحفظه نحن قد يرويه الآخرون لاحقاً من زوايا مختلفة، وربما بمعانٍ مختلفة أيضاً.
قد تُرمّم الأضرار، وقد تعود الرحلات إلى مواعيدها المعتادة، وقد يصبح هذا اليوم بعد سنوات مجرد محطة في سياق أطول. لكن ما يستحق العناية منذ الآن هو ألا نفقد معناه. فالأحداث الكبرى لا تنتهي بانتهاء الأزمة، بل تبدأ بعدها رحلة أطول وأهدأ وأعمق؛ رحلة انتقالها من الخبر إلى الذاكرة. وفي تلك الرحلة تحديداً، تقاس قدرة الأمم على حفظ تاريخها كما عاشته، لا كما يروى عنها لاحقاً.







