د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (5).. يناير وما بعدها: الدروس والعبر

تكتب الشعوب تاريخها أحيانًا بالحبر، وأحيانًا بالدموع، وأحيانًا بالأحلام التي تتعثر قبل أن تصل إلى شاطئها الأخير. أما مصر، فقد كتبت فصل يناير بقدر كبير من الأمل، وقدر أكبر من الألم، ثم أمضت سنوات طويلة تحاول أن تفهم ما جرى، وما الذي كان يمكن أن يجري بصورة مختلفة، وما الدروس التي دفعت ثمنها أجيال كاملة من أبنائها.
ليست يناير بالنسبة لي حدثًا قرأته في كتاب، ولا ذكرى أتابعها من مقعد المتفرجين. وقفت قبل اندلاعها بأيام قليلة تحت قبة البرلمان الشعبي، في الحادي والعشرين من يناير 2011، مطالبًا الرئيس حسني مبارك بالرحيل، في كلمة بقيت معروفة لدى كثيرين باسم كلمة «ارحل». لم يكن ذلك الموقف وليد لحظة انفعال، بل نتيجة سنوات طويلة من المعارضة السياسية والنضال السلمي والإيمان بأن مصر تستحق حياة أفضل من تلك التي كانت تعيشها آنذاك.
شاركت بعد ذلك منذ اللحظات الأولى للثورة، مع ملايين المصريين الذين خرجوا بحثًا عن وطن أكثر عدلًا وحرية وكرامة. لذلك فانحيازي إلى قيم يناير ليس موقفًا طارئًا فرضته الذاكرة، ولا محاولة متأخرة لمجاراة التاريخ، بل موقف سابق على الثورة نفسها. انحياز إلى الحرية لا إلى الفوضى، وإلى الكرامة لا إلى الانتقام، وإلى الديمقراطية لا إلى الاستحواذ، وإلى الدولة المدنية الحديثة لا إلى هدم الدولة أو إضعافها.
أخطأ كثيرون حين اختزلوا يناير في نتائجها المباشرة. الثورات لا تُقاس فقط بما تحقق بعدها بعام أو عامين، بل بما كشفته من حقائق، وما زرعته من أفكار، وما أطلقته من أسئلة، وما تركته من دروس للأجيال اللاحقة. كثير من الثورات الكبرى في التاريخ احتاجت عقودًا طويلة قبل أن تؤتي ثمارها الحقيقية، وبعضها مر بمراحل انتكاس قبل أن تستقر المجتمعات على ما خرجت من أجله.
سبقت يناير سنوات طويلة من الاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي. توسعت الفجوة بين السلطة والمجتمع، وتراجعت الثقة في المؤسسات، وضاقت مساحات التعبير، وازدادت معدلات الفقر والبطالة، بينما ظلت قنوات المشاركة السياسية محدودة وغير قادرة على استيعاب طاقات مجتمع شاب ومتغير. بدا المشهد من الخارج مستقرًا، لكن الاستقرار الظاهري كان يخفي داخله أسباب انفجار تتراكم عامًا بعد عام.
تعلمت مصر من تلك اللحظة درسًا بالغ الأهمية: الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالخوف. قد تستطيع السلطة أن تؤجل الغضب، لكنها لا تستطيع إلغاء أسبابه. وقد تستطيع السيطرة على المشهد لفترة، لكنها لا تستطيع مصادرة حاجات الناس إلى الحرية والعدالة والكرامة إلى الأبد. الدول القوية لا تخشى مجتمعاتها، بل تبني معها علاقة ثقة ومشاركة ومساءلة متبادلة.
كشفت يناير كذلك أن الإصلاح المؤجل غالبًا ما يكون أكثر كلفة من الإصلاح المبكر. مطالب كثيرة رُفعت قبل الثورة بسنوات طويلة، وكان يمكن الاستجابة لجزء معتبر منها عبر إصلاحات سياسية واقتصادية تدريجية. لكن تجاهل تلك المطالب، أو التعامل معها باعتبارها تهديدًا لا فرصة، أدى في النهاية إلى انفجار أكبر من قدرة النظام القائم على استيعابه.
أظهرت التجربة المصرية أيضًا أن إسقاط نظام لا يعني تلقائيًا بناء نظام جديد. لحظة الاحتجاج تختلف جذريًا عن لحظة الحكم. إسقاط الواقع القائم قد يحتاج إلى تعبئة جماهيرية واسعة، أما بناء البديل فيحتاج إلى مؤسسات قوية، وتوافقات واسعة، ورؤية واضحة للمستقبل. هنا دفعت مصر جزءًا كبيرًا من الثمن، لأن كثيرًا من القوى السياسية كانت أكثر استعدادًا لخوض معركة التغيير من استعدادها لإدارة مرحلة ما بعد التغيير.
كشفت السنوات التالية أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات. صندوق الاقتراع ركيزة أساسية، لكنه ليس الركيزة الوحيدة. الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى إعلام حر، وقضاء مستقل، وأحزاب قوية، ومجتمع مدني فاعل، ومؤسسات قادرة على التوازن والرقابة والمساءلة. غياب هذه العناصر يجعل الديمقراطية هشة، ويجعل أي انتقال سياسي عرضة للاهتزاز.
دفعت مصر ثمن غياب ثقافة التوافق. دخلت قوى عديدة إلى المشهد بعقلية الغلبة لا الشراكة، وبمنطق المنتصر والمهزوم لا بمنطق الوطن المشترك. تحولت الخلافات السياسية الطبيعية إلى صراعات وجودية، وضاعت فرص كثيرة لبناء توافق وطني واسع كان يمكن أن يحمي التجربة الانتقالية ويمنحها فرصة أكبر للنجاح.
علمتنا يناير أن الدولة ليست النظام الحاكم. ذلك الخلط كان حاضرًا لدى بعض أنصار السلطة وبعض خصومها في الوقت نفسه. الدولة أوسع وأعمق وأبقى من أي سلطة عابرة. مؤسسات الدولة الوطنية يجب أن تبقى وتحظى بالاحترام والحماية، حتى أثناء السعي إلى تغيير السياسات أو الحكومات أو النظم السياسية. الدول التي تنجح في الانتقال هي التي تنجح في الجمع بين الإصلاح والاستقرار، لا في وضعهما في مواجهة بعضهما البعض.
أظهرت التجربة كذلك أهمية العلاقة المتوازنة بين المؤسسات المدنية والعسكرية. لا يمكن لدولة حديثة أن تستغني عن مؤسسة عسكرية قوية ومحترفة، كما لا يمكن لدولة ديمقراطية مستقرة أن تزدهر دون مؤسسات مدنية قوية وقادرة على إدارة الشأن العام. بناء هذا التوازن ظل أحد أكبر التحديات التي واجهت مصر خلال العقود الأخيرة، وسيبقى أحد الأسئلة المركزية في أي مشروع إصلاحي جاد.
كشفت السنوات الماضية أيضًا أن الاقتصاد والسياسة لا يمكن فصلهما. لم تكن شعارات العدالة الاجتماعية التي رفعتها الثورة مجرد شعارات عاطفية، بل تعبيرًا عن أزمة حقيقية عاشها ملايين المصريين. الديمقراطية تحتاج إلى اقتصاد قادر على خلق الفرص، كما يحتاج الاقتصاد إلى بيئة سياسية مستقرة وعادلة وشفافة. الفصل المصطنع بين المجالين كان أحد أخطاء التفكير الشائعة قبل الثورة وبعدها.
دفعت مصر ثمن ضعف الأحزاب والمؤسسات الوسيطة. لعقود طويلة تراجع دور الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات المستقلة، فوجد المجتمع نفسه في لحظة تاريخية فارقة دون أدوات تنظيمية قادرة على إدارة التنوع والاختلاف. المجتمعات الحديثة لا تُدار فقط عبر الدولة، بل عبر شبكة واسعة من المؤسسات التي تربط المواطنين بالحياة العامة وتمنحهم قنوات سلمية للمشاركة.
كشفت التجربة المصرية كذلك أن الإعلام لا يستطيع أن يحل محل السياسة. قد ينجح الإعلام في التأثير والتعبئة، لكنه لا يستطيع أن يبني مؤسسات أو يصوغ توافقات أو يدير دولة. الدول الحديثة تحتاج إلى إعلام مهني ومسؤول، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى حياة سياسية حقيقية تسمح بتداول الأفكار والمصالح بصورة طبيعية.
تعلمت مصر درسًا قاسيًا يتعلق بالشباب. ملايين الشباب الذين صنعوا لحظة يناير وجد كثير منهم أنفسهم لاحقًا خارج المجال العام، بين الإحباط أو الهجرة أو الصمت. خسارة هذه الطاقات لا تمثل مشكلة سياسية فقط، بل تمثل خسارة تنموية وحضارية وإنسانية طويلة الأمد. الوطن الذي لا يفتح أبوابه لشبابه يغامر بمستقبله كله.
تقدم لنا تجارب دول عديدة دروسًا مشابهة. بلدان أوروبا الشرقية احتاجت سنوات طويلة بعد سقوط الأنظمة الشمولية حتى تبني مؤسسات مستقرة. جنوب أفريقيا لم تنتقل من الفصل العنصري إلى الديمقراطية عبر الانتقام، بل عبر المصالحة. دول أمريكا اللاتينية احتاجت عقودًا للتوازن بين الاستقرار والديمقراطية.







