شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (8).. سياسات اقتصادية لصناعة المستقبل.. لا إدارة الشماعات

تنشغل حكوماتنا بإدارة أيامها، وأزماتها وفقًا للتعليمات، بدل انشغالها بصناعة سنواتها القادمة وفقًا لعلوم المستقبليات. والفارق بين الدول التي تعمل من أجل المستقبل، وغيرها التي تعمل من أجل اللحظة واللقطة، لا يكمن فقط في حجم الموارد ولا في عدد السكان ولا في الموقع الجغرافي، بل في طريقة التفكير نفسها. فهناك دول تتعامل مع السياسة الاقتصادية باعتبارها فن التعليق على الشماعات لمواجهة الأزمات، بينما تتعامل دول أخرى مع السياسة الاقتصادية باعتبارها فن صناعة المستقبليات. وبين المدرستين تتحدد مصائر الأمم لعقود طويلة.

عبر تاريخها الحديث، امتلكت مصر قدرة استثنائية على الصمود. تجاوزت حروبًا وأزمات وتحولات كبرى، ونجحت في الحفاظ على كيان الدولة في ظروف لم تكن سهلة. لكن الصمود وحده لا يكفي لبناء المستقبل. فالسؤال الذي يواجه مصر اليوم ليس كيف تتجاوز الأزمة التالية، بل كيف تمنع تكرار الأزمات أصلًا؟ وكيف تتحول من اقتصاد يلاحق المشكلات إلى اقتصاد يسبقها؟

عاشت الدولة المصرية خلال العقود الأخيرة حالة مزمنة من إدارة الواقع أكثر من صناعة البدائل. انشغلت الحكومات المتعاقبة بمعالجة العجز هنا، واحتواء أزمة هناك، وتأمين احتياجات عاجلة في مكان آخر. لم تكن تلك الملفات هامشية أو غير مهمة، لكنها استهلكت جزءًا كبيرًا من الطاقة السياسية والإدارية، حتى أصبح التفكير الاستراتيجي الطويل المدى أقل حضورًا من التفكير المرتبط باليوم التالي أو بالشهر التالي أو بالموازنة التالية.

تكمن المشكلة في أن إدارة الأزمات قد تتحول بمرور الوقت إلى فلسفة حكم كاملة. تصبح الدولة أكثر مهارة في إطفاء الحرائق من منع اندلاعها، وأكثر قدرة على التعامل مع النتائج من قدرتها على معالجة الأسباب. وهنا يبدأ التراجع البطيء؛ لأن كل أزمة مؤجلة تعود لاحقًا بصورة أكبر وأعقد وأعلى كلفة.

شهدت مصر هذا النمط في ملفات عديدة. التعليم، والصحة، والإدارة العامة، والدين العام، وسوق العمل، وحتى ملف الاستثمار. كثير من النقاشات العامة انشغلت بعلاج الأعراض، بينما ظلت الأسئلة الكبرى مؤجلة. كيف سيكون شكل الاقتصاد المصري بعد عشر سنوات؟ وما هي القطاعات التي ستقود النمو؟ وأين سيكون موقع مصر في الاقتصاد الرقمي العالمي؟ وكيف نستعد لعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة؟

لا يمكن لصناعة المستقبل أن تبدأ دون الاعتراف بمشكلة أخرى أصبحت جزءًا من الثقافة الإدارية والسياسية في المنطقة، وهي ما يمكن تسميته بـ«إدارة الشماعات». فكلما ظهرت أزمة اقتصادية، جرى البحث سريعًا عن عامل خارجي يُعلّق عليه الفشل أو التعثر أو سوء التقدير. مرة تُعلق الأزمة على حرب في الإقليم، ومرة على اضطرابات التجارة الدولية، ومرة على جائحة عالمية، ومرة على تقلبات الأسواق أو أسعار الطاقة.

لا أحد ينكر تأثير هذه العوامل. العالم أصبح مترابطًا بصورة تجعل أي حرب أو أزمة كبرى تؤثر على الجميع بدرجات متفاوتة. لكن الفرق بين الدول لا يكمن في وجود الأزمات، بل في قدرتها على الاستعداد لها وتقليل آثارها. الحرب قد تفسر جزءًا من المشكلة، لكنها لا تفسر غياب التخطيط. والأزمة العالمية قد تبرر بعض الضغوط، لكنها لا تبرر استمرار الأخطاء المحلية لسنوات طويلة.

تعلمت الأمم الناجحة أن الخارج قد يبطئ التقدم، لكنه لا يمنع وجود رؤية. وأن الأزمات الدولية قد تفرض ضغوطًا مؤقتة، لكنها لا تبرر غياب السياسات الرشيدة. لذلك لم تبن هذه الدول استراتيجياتها على انتظار تحسن الظروف الخارجية، بل على تعزيز قدرتها الداخلية على الصمود والتكيف.

السياسة الاقتصادية التي تكتفي بإدارة الشماعات تبقى أسيرة ردود الأفعال. أما السياسة الاقتصادية التي تصنع المستقبل فتسأل سؤالًا مختلفًا: كيف نبني اقتصادًا أكثر قدرة على مواجهة الحروب والأزمات والتقلبات الدولية أصلًا؟ وكيف نجعل الصدمات الخارجية أقل تأثيرًا على حياة المواطنين؟

تكشف تجارب كثيرة أن التحول الحقيقي يبدأ حين يتغير السؤال. كوريا الجنوبية لم تبدأ نهضتها بالسؤال عن كيفية تجاوز أزمة مؤقتة، بل بالسؤال عن مكانها في الاقتصاد العالمي بعد جيل كامل. وسنغافورة لم تبن تجربتها على إدارة واقعها الصعب كدولة صغيرة محدودة الموارد، بل على صناعة مستقبل مختلف تمامًا عن حاضرها. كما نجحت دول الخليج العربي خلال العقود الأخيرة في توظيف جزء مهم من مواردها لبناء رؤى طويلة المدى تتجاوز الاقتصاد التقليدي وتسعى إلى الاستعداد لعالم ما بعد النفط.

تحتاج مصر إلى هذا النوع من التفكير. لا لأن لديها نقصًا في الموارد أو في الكفاءات، بل لأن حجمها وتاريخها وموقعها يجعل كلفة التأخر أكبر من كلفة المبادرة. الدولة التي تضم أكثر من مئة مليون مواطن لا تستطيع أن تعتمد إلى الأبد على إدارة اللحظة، بل تحتاج إلى تصور واضح للمسار الذي تريد أن تسلكه خلال العقد القادم.

السياسة الاقتصادية في معناها العميق ليست مجرد قرارات مالية أو نقدية أو ضريبية. إنها رؤية متكاملة لمكانة الدولة في المستقبل. تحدد شكل الاقتصاد، وطبيعة الوظائف، ومستوى التعليم، وهيكل الإنتاج، وموقع التكنولوجيا، وحجم مساهمة المعرفة في الناتج القومي.

لهذا السبب لا يكفي أن نعرف حجم التضخم أو سعر الصرف أو معدل النمو السنوي. هذه مؤشرات مهمة، لكنها تشبه قراءة المؤشرات الحيوية للمريض دون معرفة نمط حياته أو اتجاه صحته على المدى الطويل. المؤشرات ضرورية، لكن الرؤية أكثر أهمية.

احتاجت مصر طويلًا إلى الانتقال من إدارة الملفات إلى إدارة الاتجاهات. من السؤال: كيف نعالج المشكلة الحالية؟ إلى السؤال: كيف نمنع تكرارها مستقبلًا؟ ومن التفكير في الموازنة السنوية إلى التفكير في الاقتصاد الذي نريد أن نراه بعد عشر سنوات.

يفرض ذلك إعادة الاعتبار لمؤسسات التخطيط والاستشراف الاستراتيجي. فالدول الحديثة لا تنتظر المستقبل حتى يصل إليها، بل تدرسه وتستعد له. تمتلك مراكز بحث قوية، وقواعد بيانات متطورة، وآليات لرصد التحولات العالمية في التكنولوجيا والطاقة والتجارة وسوق العمل.

تتغير طبيعة القوة الاقتصادية في العالم بسرعة هائلة. الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة النظيفة، والتكنولوجيا الحيوية، وسلاسل الإمداد الجديدة، كلها تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي. والدولة التي لا تستعد لهذه التحولات ستجد نفسها مضطرة للتكيف مع واقع صنعه الآخرون.

تملك مصر فرصة استثنائية في هذا المجال بفضل ثروتها البشرية. ملايين الشباب الذين يدخلون سوق العمل كل عام يمكن أن يتحولوا إلى عبء اقتصادي إذا غابت الرؤية، ويمكن أن يصبحوا أكبر قوة دفع للنمو إذا توفرت السياسات الصحيحة. لذلك يصبح الاستثمار في التعليم والتدريب وريادة الأعمال والتكنولوجيا جزءًا من الأمن الاقتصادي القومي.

تحتاج هذه الرؤية أيضًا إلى علاقة مختلفة بين الدولة والقطاع الخاص. فالدولة التي تريد صناعة المستقبل لا تستطيع أن تعمل وحدها. تحتاج إلى بيئة أعمال عادلة، ومنافسة حقيقية، ومؤسسات تمويل كفؤة، وجامعات مرتبطة بالاقتصاد، ومجتمع أعمال قادر على الابتكار والمغامرة.

كما تحتاج إلى إصلاح طريقة إعداد السياسات العامة نفسها. كثير من القرارات ما زالت تُتخذ لمعالجة مشكلات قائمة

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى