سجون قوات الدعم السريع تكشف تفاصيل مأساوية عن آلاف المحتجزين في السودان

تتعدد مراكز الاحتجاز التابعة لقوات الدعم السريع في السودان والتي تحولت إلى مقار سرية تضم آلاف المدنيين والأسرى العسكريين وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة والتعقيد حيث تدار تلك المواقع بشكل مباشر بواسطة دائرة الاستخبارات في قوات الدعم السريع دون أي رقابة قضائية أو قانونية معتمدة من الدولة وتتخذ تلك القوات من مباني المدارس والمستشفيات والمنازل الخاصة أماكن للاحتجاز القسري بعيداً عن أعين الرقابة الدولية والمحلية.
تفرض قوات الدعم السريع إجراءات احتجاز تعسفية طالت أعداداً كبيرة من المدنيين في مناطق سيطرتها المختلفة خاصة في ولايات دارفور والخرطوم والجزيرة حيث أفادت تقارير حقوقية بأن مراكز الاحتجاز في إقليم دارفور وحدها تضم ما يقارب 19 ألف معتقل وتستخدم هذه القوات أساليب الترهيب الجسدي والنفسي وتفرض قيوداً صارمة تمنع التواصل مع ذوي المحتجزين أو توفير الرعاية الطبية اللازمة لهم في ظل نقص حاد في الغذاء والماء الصالح للشرب.
تعاني سجون قوات الدعم السريع من اكتظاظ شديد يفوق طاقتها الاستيعابية حيث يعد سجن دقريس في جنوب دارفور نموذجاً صارخاً للانتهاكات الإنسانية بضمه أكثر من 21 ألف محتجز رغم أن سعته الإنشائية لا تتجاوز 7 آلاف نزيل وتتعمد هذه القوات حشر أعداد كبيرة في زنازين ضيقة للغاية مما أدى إلى تفشي أمراض مثل الكوليرا ووقوع مئات الوفيات الموثقة نتيجة للإهمال الطبي المتعمد وسوء المعاملة القاسية والعمل الشاق القسري للمحتجزين.
واقع المعتقلات والمساومات المالية
تعتمد قوات الدعم السريع استراتيجيات تضليلية بنقل المحتجزين بين مراكز اعتقال سرية ومنازل خاصة ومقار شركات لتجنب الرصد أو المساءلة القانونية كما يتم تسجيل حالات وفاة يومية بين الأسرى والمدنيين نتيجة الجوع الشديد والحرمان من الرعاية الطبية وتترافق هذه الانتهاكات مع عمليات مساومة مالية حيث يطلب عناصر قوات الدعم السريع فدى مالية طائلة من ذوي المعتقلين مقابل الإفراج عنهم أو توفير ظروف إنسانية أفضل لهم داخل هذه المعتقلات المظلمة.
تؤكد لجان المقاومة الشعبية في ولاية شمال دارفور أن قوات الدعم السريع احتجزت نحو 9 آلاف مدني في سجن شالا القومي منذ أكتوبر 2025 بتهم التخابر مع الجيش أو الاستنفار لصالح القوات المسلحة وقد تسببت الظروف القاسية في هذا السجن بوفاة أكثر من 300 معتقل جراء الإهمال الطبي الممنهج فضلاً عن تحويل مستشفى الأطفال شرق الفاشر إلى مركز احتجاز يضم 2000 شخص بينهم كوادر طبية وأساتذة جامعيون وقيادات أهلية.
تتضح الصورة أكثر من خلال شهادات حقوقية وقانونية تصف هذه الأماكن بأنها مسالخ بشرية لا تمت بصلة للمعايير المتعارف عليها للسجون إذ يوضح المستشار القانوني عبدالعزيز سام أن هذه المواقع تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية وتستخدم حاويات حديدية وبدرومات تحت المباني ونقاطاً للحفر كمراكز احتجاز دائمة للمخطوفين الذين يظلون رهن الاعتقال لأجل غير مسمى دون أي محاكمات عادلة أو تمثيل قانوني يضمن حقوقهم الأساسية وفق القانون الدولي.
المسؤليات الجنائية والقانونية
يؤكد المتخصص في القانون الدولي عبدالرحمن نور الله أن مراكز احتجاز قوات الدعم السريع تخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني في سياق النزاع المسلح غير الدولي وتعتبر هذه الممارسات خروجاً عن الضمانات الأساسية التي نصت عليها اتفاقات جنيف حيث إن احتجاز المدنيين كرهائن للمساومة على الفدية أو تبادل الأسرى والقيام بأعمال التعذيب والمعاملة اللاإنسانية يشكل جرائم حرب يتحمل مسؤوليتها الجنائية القادة والضباط المشرفون على هذه المعتقلات في مختلف المناطق التي تسيطر عليها القوات.
تتفاقم الأزمة الإنسانية مع ارتفاع أعداد المفقودين في السودان التي تجاوزت 11 ألف شخص مسجل منهم 8 آلاف فقدوا منذ أبريل 2023 مع زيادة بنسبة 40 في المئة خلال العام الماضي وحده وتشير تقارير دولية إلى أن هذه الأرقام تمثل جزءاً ضئيلاً من الواقع الفعلي بسبب تدمير شبكات الاتصالات وصعوبة الوصول إلى مراكز الاعتقال السرية واكتشاف مقابر جماعية متفرقة مما يستوجب تحركاً عاجلاً لإجراء تحقيقات مستقلة لإنقاذ حياة آلاف المحتجزين الذين يواجهون الموت البطيء يومياً.







