شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: كواليس لقاءات باريس ومستقبل الاقتصاد المصري وسط العواصف الإقليمية

من باريس، حيث أتواجد اليوم لإجراء اللقاء الثاني مع السيد رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان الفرنسي، في إطار جهود مشتركة لتقديم مبادرة متوسطية وقّع عليها قرابة خمسين شخصية عربية، دعمًا للشراكة والتعاون بين ضفتي المتوسط، أواصل متابعة المشهدين الإقليمي والدولي وما يفرضان من تحديات متسارعة على منطقتنا، وفي القلب منها مصر التي تواجه لحظة دقيقة تتطلب قراءة هادئة ومسؤولة للمتغيرات السياسية والاقتصادية.

تتداول أسعار النفط قرب 85–90 دولارًا للبرميل، فيما يبقى التضخم مرتفعًا نسبيًا في الاقتصادات الكبرى، ما يدعم استمرار الفائدة المرتفعة ويزيد الضغوط على الدول المستوردة. وفي مصر، يظل سعر الصرف حساسًا لتدفقات النقد الأجنبي والاستثمار، ما يجعل أي توتر إقليمي أو عالمي عاملًا إضافيًا للضغط الاقتصادي، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع المستوردة وتكاليف الإنتاج ومستوى معيشة المواطنين.

يقف الإقليم على حافة تصعيد يمتد من غزة إلى البحر الأحمر ومن بيروت إلى طهران. ولم تعد تداعيات الصراعات بعيدة، بل تنعكس مباشرة في أسعار الوقود والسلع وضغوط المعيشة، بما يؤثر على القدرة الشرائية للأسر وتكاليف النقل والخدمات اليومية.

تتجدد المواجهة بين إسرائيل وإيران وسط تهديدات متبادلة، ما يرفع مخاطر اضطراب أسواق النفط والملاحة والاستثمار ويغذي موجات تضخم جديدة، قد تصل آثارها إلى المستهلك في صورة ارتفاعات إضافية في الأسعار.

تتأثر مصر سريعًا بأي توتر في الخليج أو البحر الأحمر عبر قناة السويس وسوق الصرف وفواتير الاستيراد، بما يزيد الضغوط على الموازنة والأسعار والطاقة، ويؤثر على تكلفة الخدمات الأساسية ومستويات الدخل الحقيقي للمواطنين.

تسعى الحكومة إلى جذب الاستثمار عبر تقليص البيروقراطية وتسهيل تأسيس الشركات وطرح أصول في البورصة، لكن نجاح هذه الخطوات مرهون بتحولها إلى إصلاحات مستدامة تعزز دور القطاع الخاص وتوفر فرص عمل مستقرة وتحسن مستويات الدخل.

ويتطلب بناء اقتصاد قوي قواعد مستقرة وشفافية ورقابة فعالة ومناخًا قانونيًا وسياسيًا يعزز الثقة، باعتبارها أساس أي إصلاح اقتصادي قادر على جذب الاستثمارات وتحسين جودة الخدمات العامة.

كما أن تحسن المؤشرات الكلية لا يكفي وحده، فالمواطن يقيس الأداء الاقتصادي من تكلفة المعيشة والخدمات الأساسية، ومدى قدرته على تلبية احتياجاته اليومية والحفاظ على مستوى دخل مناسب.

تبقى غزة ملفًا محوريًا للأمن القومي المصري، مع ضرورة الجمع بين الجهدين الإنساني والسياسي، ورفض التهجير، وحماية المدنيين، ودعم فتح المعابر، لما لذلك من انعكاسات على الاستقرار الإقليمي والاقتصادي.

ويظل السودان مصدر قلق مباشر لمصر بحكم ارتباط الحرب هناك بالأمن والحدود والمياه والهجرة، وما قد يترتب على ذلك من أعباء اقتصادية وخدمية إضافية.
يدخل العالم أسبوعًا مضطربًا تتحرك فيه الأسواق تحت تأثير الحروب والتوترات الجيوسياسية، ما يضيق هامش الحركة أمام اقتصاد يحتاج إلى الإنتاج والاستثمار والثقة أكثر من الاعتماد على الديون، بما يضمن استقرار الأسعار وتحسين فرص العمل.

تحتاج مصر إلى مصارحة وإصلاح مؤسسي واقتصاد منتج ورقابة فعالة وعدالة تعزز الثقة والاستقرار، بما ينعكس على حياة المواطنين من خلال خدمات أفضل وفرص اقتصادية أوسع.

تواجه البلاد شبكة أزمات متداخلة: توترات إقليمية، وطاقة مرتفعة التكلفة، وضغوط على العملة، وتحديات أمام القطاع الخاص. وتظهر آثار هذه التحديات في الأسعار والدخول ومستوى الخدمات، ويبقى تجاوزها مرهونًا بالاعتراف بالمشكلات واتخاذ قرارات إصلاحية عادلة بعيدة المدى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى