
فيلم «الست»، الذي أخرجه المخرج المتميز مروان حامد، يقدم صورة غنية ومعبرة عن حياة كوكب الشرق أم كلثوم، متجاوزًا السرد التقليدي ليمنح المشاهدين تجربة فريدة. يعتمد الفيلم على سيناريو كُتب بواسطة أحمد مراد، الذي قدم أسلوبًا روائيًا مبتكرًا يُعد إضافة نوعية للسينما المصرية.
نبذة عن أم كلثوم
وُلدت أم كلثوم في 31 ديسمبر 1898 في الزقازيق، مصر، وتوفيت في 3 فبراير 1975. وتُعتبر واحدة من أعظم الفنانات في تاريخ الموسيقى العربية، حيث تركت أثرًا كبيرًا في الثقافة والفن العربي.
دور السيناريو في تشكيل الأحداث
أحمد مراد، من خلال السيناريو، استطاع أن يقدم قصة أم كلثوم بطريقة درامية متماسكة، حيث لجأ إلى الأسلوب الروائي الذي يدمج بين الأحداث التاريخية والتفاصيل الشخصية بطريقة سلسة. هذا الأسلوب مكّن المشاهدين من التفاعل مع الشخصيات بشكل أعمق، مما أضاف بُعدًا إنسانيًا إلى القصة.
هذا وتم تقديم الشخصيات بشكل متعدد الأبعاد، حيث لم يقتصر مراد على تصوير أم كلثوم كظاهرة فنية فحسب، بل قدمها كشخصية معقدة تعيش صراعات داخلية وخارجية، مما جعل الفيلم يعكس الحضور القوي لأم كلثوم في المجتمع المصري.
وجاء التركيز على بعض الأحداث الدرامية، حيث استخدم مراد الأحداث الفارقة في حياة أم كلثوم، مثل لقائها مع الملكة نازلي وجمال عبد الناصر، كعناصر محورية تعزز من بناء القصة، مما جعل المشاهدين يشعرون بعمق تلك اللحظات وتأثيرها على حياتها.
أما التوازن بين التاريخ والدراما، فقد استطاع مراد، وبمساعدة الكاتب والموثق للأحداث الكاتب محمد السلماوي، أن يوازن بين تقديم الحقائق التاريخية والنواحي الدرامية، مما جعل الفيلم تجربة غنية تحمل قيمة فنية وثقافية.
وأقصد هنا أن دور الكاتب والمفكر محمد السلماوي في الفيلم كان دورًا حيويًا كمستشار تاريخي، حيث قدم خبراته في توثيق الأحداث وضمان دقتها. وساعد السلماوي في صياغة الأحداث بطريقة تعكس التحديات والصراعات التي واجهتها أم كلثوم، مما منح الفيلم مصداقية تاريخية قوية من حيث تسلسل الأحداث وعناصرها المحورية.
تميز الأدوار واختيارات الشخصيات
ولعل تميز الأدوار واختيارات الشخصيات كان ما ميز الفيلم، خصوصًا باختيار طاقم عمل موهوب، حيث قدم كل ممثل أداءً رائعًا يجسد شخصيات محورية بأسلوب جديد.
محمد فراج في دور أحمد رامي، ذلك الشاعر الذي أضفى بُعدًا عاطفيًا على الشخصية.
سيد رجب جسد الشيخ إبراهيم البلتاجي، وهو بالمناسبة ابن عم المرحوم عقل بلتاجي، الوزير ومستشار الملك الحسين. والشيخ إبراهيم هو والد أم كلثوم، حيث نقل روح العائلة والتحديات التي واجهتها.
أحمد خالد صالح في دور الشيخ خالد البلتاجي، حيث برز كصوت داعم لأمه، مما ساعد في تقديم صورة أكثر إنسانية.
تامر نبيل جسد شخصية الموسيقار محمد القصبجي، الذي أضاف بُعدًا فنيًا مميزًا.
نيللي كريم ظهرت كضيفة شرف في دور الملكة نازلي ببراعة وإتقان، وأضافت لمسة من الفخامة.
أحمد أمين في دور الدكتور حسن الحفناوي، قدم أداءً متنوعًا مليئًا بالمشاعر.
أحمد حلمي في دور ضابط الشرطة، مذكرًا بشخصية وأداء الفنان أنور وجدي، حيث أظهر جانبًا جديدًا من موهبته، مقدمًا شخصية تعكس التحديات الاجتماعية في تلك الحقبة.
كريم عبد العزيز، بلا شك، اختطف الأضواء في المشاهد التي قدمها، وهو يجسد دور شريف صبري، رئيس وزراء مصر، الذي وقع في حب أم كلثوم، لكنه رضخ لضغوط الملكة نازلي التي رفضت الزواج من مغنية. أداؤه أضاف عمقًا وتعقيدًا للصراع العاطفي في الفيلم.
آسر ياسين في دور مرتاد الكازينو، وعمرو سعد في دور الزعيم جمال عبد الناصر كضيوف شرف، قدما لمسات فنية أضافت عمقًا للعمل.
الإخراج والتصوير والإضاءة والموسيقى
وأعود إلى تأثير الإخراج والتصوير والإضاءة والموسيقى تحت إشراف مروان حامد، لنرى كيف تم تعزيز السيناريو من خلال التصوير والرجوع للخلف بتقنية «الفلاش باك»، والمونتاج الذي أبدع في توقيت قص المشاهد وإعادة إدخالها، حيث قدمت المشاهد بتفاصيل بصرية مبهرة، مما زاد من تأثير الأحداث على المشاهد.
كانت لحظات اللقاءات التاريخية، مثل تلك التي جمعت أم كلثوم مع الملكة نازلي، وأم كلثوم مع الرئيس جمال عبد الناصر، محورية في تجسيد الصراعات الاجتماعية والسياسية.
تجربة سينمائية تستحق التقدير
لا شك أنها تجربة سينمائية تستحق التقدير.
فيلم «الست» هو عمل سينمائي يستحق أن يُشاهد بعمق، حيث يقدم سردًا روائيًا متنوعًا يبتعد عن الأنماط التقليدية في السينما المصرية. بفضل السيناريو الفريد الذي قدمه أحمد مراد، يتاح للمشاهدين الاحتفاء بحياة كوكب الشرق بطريقة جديدة ومؤثرة.
الفيلم ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو تجربة غنية تعكس روح أم كلثوم وقوتها الفنية، ويستحق أن يُشاهد لفترات طويلة دون أن يشعر المشاهد بالملل.
«الست» والفنانة المصرية المتألقة منى زكي، التي كانت جريئة في الموافقة على تحدي الواقع وقبول الدور الصعب، أدت الدور ببراعة ومهنية احترافية، وهي تعلم مسبقًا حجم الاعتراضات الممكنة، لكنها استجابت بقوة وندية وأداء عالٍ لكل النقد وللتحديات السينمائية والاجتماعية.
أذكر هنا أن فيلم «الست»، الذي يروي حياة كوكب الشرق أم كلثوم، واجه مجموعة من الانتقادات التي أثارت جدلًا واسعًا بين النقاد والجمهور. وبينما استطاع الفيلم أن يقدم تجربة فنية غنية، إلا أن بعض الآراء انتقدت جوانب معينة من العمل. وهنا نستعرض أبرز تلك الانتقادات مع تقديم ردود تحليلية عليها.
الانتقاد الأول: تشويه الصورة النمطية
اعتبر بعض النقاد أن الفيلم ركّز على إبراز الجوانب السلبية والضعيفة في شخصية أم كلثوم، مثل الوحدة والعزلة ونوبات الخوف، مما قد يُعتبر تقليلًا من شأن الرمز الوطني والفني.
والتحليل والرد على ذلك أنه يمكن فهم هذا الاختيار كجزء من محاولة تقديم شخصية إنسانية أكثر قربًا للجمهور. فالفن لا يُقدّم فقط الأبطال الخارقين، بل يعكس أيضًا الصراعات الداخلية التي يعيشها الأفراد، حتى أولئك الذين حققوا نجاحات باهرة. هذا التعمق في الجانب الإنساني يمكن أن يعزز من مصداقية الشخصية، ويمنح المشاهدين فرصة للتعاطف معها.
الانتقاد الثاني: ضعف وتفكك السيناريو
وُصف سيناريو الفيلم بأنه مفكك ومترهل، حيث غابت عنه وحدة الموضوع، وفشل في عرض مشوارها الفني بشكل متكامل، مع تغليب «الإبهار البصري» على العمق الدرامي.
والتحليل والرد هنا أنه من حق المخرج والسيناريو أن يختار أحداثًا من حياة الشخصية دون أن يضيف عليها، وفي كل الأفلام لا مجال لأن يرد كامل حياة الشخصية بنسبة مئة بالمئة. ولعل فيلم نابليون بونابرت أغفل عن دخوله الأزهر بالأخصنة، ولم يذكر أن علماءه فكوا رموز حجر رشيد، ولا أن طباخه هو من اخترع «الكرواسون» على شكل هلال ليقضمه.
وبالرغم من أن التركيز على الإبهار البصري قد يكون مثيرًا للجدل، إلا أن هذا الأسلوب الفني يمكن أن يُعتبر تجسيدًا لرؤية المخرج في تقديم حياة أم كلثوم بشكل جذاب. ومع ذلك، من المهم الاعتراف بأن التوازن بين العناصر البصرية والعمق الدرامي هو مفتاح النجاح في أي عمل سينمائي، وقد اهتم صناع الفيلم وتم أخذ ذلك في الاعتبار في عملهم الفني، وتُعد تجربة فيلم «الست» رائدة في هذا المجال.
الانتقاد الثالث: الأداء واللهجة
الانتقاد الثالث للفيلم كان الأداء واللهجة، وقد طالت الانتقادات أداء بطلة الفيلم، حيث أشار بعض النقاد والجمهور إلى وجود «لكنة» غير مألوفة في حديثها، لا تتناسب مع طبيعة صوت وشخصية أم كلثوم.
والتحليل والرد أن الأداء الفني تحدٍ دائم، خاصة في تجسيد شخصيات تاريخية. وقد يكون الاختلاف في اللهجة نتيجة للجهود المبذولة لإضفاء طابع جديد على الشخصية. ومع ذلك، من المهم أن يتوافق الأداء مع الصورة العامة للشخصية، وهذا يتطلب من الممثلين العمل على تطوير مهاراتهم في تجسيد الأصوات واللهجات بشكل دقيق، وهو ما فعلته الفنانة منى زكي واجتهدت فيه. وبالمناسبة لن يكون هناك أي مجال لأي فنان أن يضاهي قوة صوت أم كلثوم.
الانتقاد الرابع: الإضاءة والأجواء
الانتقاد الرابع كان الإضاءة والأجواء، وقد أشار بعض المشاهدين والنقاد إلى أن مشاهد الفيلم جاءت قاتمة جدًا، مما أثر سلبًا على وضوح الشخصيات والأصوات.
والتحليل والرد أن استخدام الإضاءة في السينما عنصر فني يتطلب دقة في التعبير عن الحالة النفسية للشخصيات. كانت الأجواء القاتمة تعكس الصراعات والمشاعر المعقدة، وذلك يمكن أن يضيف عمقًا إضافيًا للفيلم. ومع ذلك، نجح فريق الإضاءة والإخراج في أن يكون هناك توازن بين التعبير الفني والحدث ووضوح الرؤية العامة باستخدام تأثيرات الإضاءة للمشاهد.
الانتقاد الخامس: إضافة شخصيات ثانوية
الانتقاد الخامس تطرق إلى إضافة شخصيات ثانوية، حيث اعترض البعض على الاستعانة بشخصيات ثانوية بدت دخيلة على بنية الحكاية الأصلية، مع إغفال شخصيات تاريخية وفنية أخرى كانت أكثر أهمية في حياة أم كلثوم.
والتحليل والرد أن إدخال شخصيات ثانوية يمكن أن يكون وسيلة لتعزيز العمق الدرامي وإثراء القصة. وكان واضحًا أن الشخصيات الثانوية كانت ذات تأثير واضح على مسار الأحداث. وحتى في حالة غياب شخصيات تاريخية أخرى، قد لا يُعتبر ذلك إغفالًا مهمًا، ولا يجب على صناع العمل أن يأخذوه في الاعتبار، خصوصًا أن هناك شخصيات هامة كثيرة لا تُحصى في عصر أم كلثوم وحياتها.
وليس المخرج أو الكاتب ملزمًا بأن يأتي بكل هذه الشخصيات، فلكل منهما رؤيته. وقد تكون هناك أفلام أخرى تجسد مثلًا وجود فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، إلى جانب أحمد حسنين رئيس الديوان الملكي في عهد الملك فاروق، وأيضًا السيدة جيهان السادات في آخر مراحل حياة الست أم كلثوم، على سبيل المثال لا الحصر. لكن لنعترف أن من حق الكاتب والمخرج اختيار ما يرونه مناسبًا لخدمة الفيلم والقصة.
عمومًا، بينما واجه فيلم «الست» مجموعة من الانتقادات، إلا أنه لا يمكن إنكار أنه قدم تجربة فنية فريدة تحاكي جزءًا من حياة كوكب الشرق أم كلثوم. وبالنظر إلى التعقيدات التي يحملها العمل الفني، من المهم أن تُؤخذ هذه الانتقادات بعين الاعتبار دون التقليل من جودة العمل الذي حافظ على روح الإبداع والتجديد، وينافس الأفلام العالمية، خصوصًا مع بدايته باللغة الفرنسية في حفل أم كلثوم في باريس للمجهود الحربي.
شكرًا لكل من عمل وساهم في تحقيق نجاح وإخراج هذا العمل الجميل إلى الشاشة الذهبية، وأيضًا يستحق كل من شارك ومول ودعم وانتقد فيلم «الست» الشكر.
د. عبد الفتاح طوقان
[email protected]







