مقالات وآراء

نزار عبد العزيز يكتب: الشراكة الأوروبية المتوسطية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان..نحو مستقبل مشترك قائم على الحرية والديمقراطية والتنمية


تشكل منطقة البحر الأبيض المتوسط فضاءً جغرافياً وحضارياً مشتركاً يجمع بين شعوب وثقافات متنوعة ويربط بين أوروبا والعالم العربي بعلاقات تاريخية واقتصادية وإنسانية عميقة وفي ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المنطقة تبرز الحاجة إلى بناء شراكة أوروبية متوسطية أكثر فاعلية تقوم على تعزيز الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد والتنمية المستدامة.
لقد أثبتت التجربة الأوروبية أن الديمقراطية ليست مجرد نظام سياسي بل هي ثقافة وممارسة يومية تقوم على احترام إرادة الشعوب وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات العامة ومن هذا المنطلق فإن دعم الديمقراطية في منطقة المتوسط يمثل استثماراً حقيقياً في الأمن والاستقرار والتنمية لأن المجتمعات التي تتمتع بالحرية والعدالة والمشاركة السياسية تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق التقدم والنمو والازدهار .
ولهذا فان بناء حوار ديمقراطي عربي-أوروبي دائم يعد خطوة ضرورية نحو تعزيز التفاهم والتعاون بين ضفتي المتوسط ويمكن لهذا الحوار أن يشكل منصة دائمة للتشاور وتبادل الخبرات وصياغة المبادرات المشتركة والتجارب الناجحة في مجالات الديمقراطية والحكم الرشيد وحقوق الإنسان مع مراعاة خصوصية كل دولة واحترام تنوعها الثقافي والاجتماعي وتجاربها السياسية المختلفة. فالديمقراطية لا يمكن فرضها بنموذج واحد بل يجب أن تنمو من داخل المجتمعات بما يتوافق مع قيمها وتطلعات شعوبها
وفي الوقت نفسه لا يمكن الحديث عن دعم الديمقراطية دون التطرق بصراحة إلى التناقضات التي تشهدها المنطقة أحياناً حيث تستمر بعض القوى الدولية في دعم أنظمة استبدادية أو عسكرية لتحقيق مصالح سياسية أو اقتصادية قصيرة المدى فمثل هذه السياسات تضعف ثقة الشعوب في الخطاب الديمقراطي وتؤدي إلى تقويض فرص الإصلاح والاستقرار على المدى الطويل ومن هنا تبرز أهمية التزام الشركاء الأوروبيين بمواقف أكثر اتساقاً مع القيم التي يدافعون عنها بما يعزز مصداقية التعاون المشترك ويعكس احترام إرادة الشعوب وحقها في اختيار حكوماتها بحرية.
كما ينبغي أن تتجه الشراكة الأوروبية المتوسطية نحو الاستثمار في الشباب باعتبارهم القوة المحركة لمستقبل المنطقة فإطلاق برامج مشتركة لدعم ريادة الأعمال والابتكار بما يعزز دور الاجيال القادمة في التعليم والتكنولوجيا ويساهم في تعزيز التبادل الثقافي والسياسي والفكري والمعرفي والاكاديمي وفي مجالات البحث العلمي بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني في الضفة الشمالية والجنوبية للمتوسط وهذا بدوره من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة أمام الأجيال الشابة ويعزز مشاركتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحياة العامة.
إن تمكين الشباب لا يساهم فقط في تحقيق النمو الاقتصادي بل يساعد أيضاً في بناء مجتمعات أكثر انفتاحاً واستقراراً وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية القادمة.
كما تعد المرأة العربية الركيزة الاساسية والشريكة في أي مشروع تنموي وديمقراطي ناجح لذلك يجب أن تتضمن الشراكة الأوروبية المتوسطية برامج واضحة لدعم تمكين المرأة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتعزيز مشاركتها في صنع القرار وفي مؤسسات الدولة والمجتمع المدني فالتجارب العالمية تؤكد أن المجتمعات التي تمنح المرأة فرصاً متكافئة تحقق مستويات أعلى من التنمية والاستقرار والعدالة الاجتماعية.
ومن القضايا التي تتطلب تعاوناً استراتيجياً بين ضفتي المتوسط قضية الهجرة غير النظامية والتي لا يمكن معالجتها من خلال الإجراءات الأمنية وحدها والذي احيانا يأتي بنتائج عكسية من فقد للأرواح والممتلكات ولهذا فالحل المستدام يكمن في دعم التنمية العادلة والشاملة وخلق فرص العمل وتحسين مستويات التعليم والخدمات الأساسية وتعزيز الاستثمارات في الدول المصدرة للهجرة فإن معالجة الأسباب الجذرية للهجرة تمثل الطريق الأكثر فاعلية لتحقيق الاستقرار وتقليل المخاطر التي يتعرض لها آلاف الشباب الباحثين عن مستقبل أفضل.
وفي إطار تعزيز منظومة حقوق الإنسان يبرز مقترح إنشاء مرصد أوروبي-متوسطي مستقل للحريات العامة وحقوق الإنسان كأحد المبادرات المهمة التي يمكن أن تسهم في تعزيز الشفافية والمساءلة ويمكن لهذا المرصد أن يتولى متابعة أوضاع الحقوق والحريات في المنطقة وإصدار تقارير دورية وتوصيات مهنية بالتعاون مع المؤسسات الوطنية والدولية المختصة لضمان حماية الحقوق الأساسية ومنع تكرار الانتهاكات وتعزيز ثقافة احترام القانون ومحاسبة مرتكبيها .
إن مستقبل منطقة البحر المتوسط يعتمد إلى حد كبير على قدرة شعوبها ودولها على بناء شراكة حقيقية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والقيم الإنسانية العالمية فالديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية ليست أهدافاً متنافسة بل عناصر متكاملة تشكل الأساس لاستقرار دائم وازدهار مشترك ومن خلال شراكة أوروبية متوسطية أكثر توازناً وفعالية فيمكن للمنطقة أن تتحول إلى نموذج للتعاون الإقليمي القائم على الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة والتنمية المستدامة فالمنطقة وشعوبها تحتاج إلى شريك ومناصر لقضاياها العادلة في منطقة تشهد تطورات ونزاعات مستمرة وحروب تؤدي الي عدم الاستقرار في منطقة مهمة من العالم وصولا للامن والسلام وحق الشعوب العربية المتوسطية في تقرير مصيرها بالحياة الكريمة والحرية والديمقراطية فهذي احدي حقوق الإنسان كما نصت عليه المواثيق الدولية والإقليمية .

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى