عزيز صدقي.. “أبو الصناعة المصرية” ومهندس نهضة أكتوبر في ذكرى ميلاده

في التاسع من يونيو، يستحضر التاريخ ذكرى ميلاد أحد أعمدة البناء في مصر الحديثة، المهندس الدكتور عزيز صدقي (1920 – 2008)، الذي اقترن اسمه في الوجدان الشعبي بلقب “أبو الصناعة المصرية”. لم يكن صدقي مجرد وزير في الحكومات المتعاقبة، بل كان “مخططاً استراتيجياً” آمن بقدرة مصر على التحول من دولة زراعية خام إلى قلعة صناعية كبرى، متحدياً بذلك نظريات التبعية التي أرادت حصر مصر في نطاق الموارد المحدودة.
مسيرة التخطيط والبناء: من “هارفارد” إلى قلب المصنع
وُلد عزيز صدقي في 9 يونيو 1920، وتخرج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة (قسم العمارة) عام 1944. واصل طموحه العلمي حتى حصل على دكتوراه في التخطيط الإقليمي والتصنيع من جامعة هارفارد الأمريكية عام 1950. هذه الخلفية الأكاديمية الرفيعة جعلت منه “عقلاً مدبراً” في حكومات الثورة؛ حيث تولى منصب أول وزير للصناعة في تاريخ مصر عام 1956، لتبدأ على يديه طفرة إنشاء المصانع الكبرى التي شكلت عصب الاقتصاد الوطني لعقود.
“دبلوماسية التوازن”.. حين أعاد السوفييت للتحالف
من أبرز محطات صدقي السياسية، تكليفه من قبل الرئيس أنور السادات بمهمة بالغة الحساسية، وهي ترميم العلاقات مع الاتحاد السوفيتي بعد قرار إنهاء وجود خبرائهم في مصر. وعلى الرغم من قتامة المشهد الدبلوماسي آنذاك، استطاع صدقي بمهارته وبشبكة علاقاته التاريخية مع القادة السوفييت أن يمتص غضبهم، وينجح في استعادة الدعم العسكري والسياسي لمصر، وهو ما كان ركيزة أساسية في التحضير لـ حرب أكتوبر المجيدة.
مهندس الدولة في زمن الحرب
تولى عزيز صدقي رئاسة مجلس الوزراء في الفترة من 1972 إلى 1973، وهي الفترة التي وُصفت بـ “حكومة المعركة”. لم يكتفِ صدقي بالإدارة، بل كان عضواً فاعلاً في “اللجنة العليا للإعداد للمعركة”، حيث أشرف على تهيئة الجبهة الداخلية وتوفير الموارد اللازمة للجيش المصري ليخوض حربه التاريخية. لقد كان يؤمن أن “الصناعة” هي وقود “النصر”، وأن الدولة التي لا تمتلك مصانعها لا تملك قرارها.
مواقف لا تُنسى: صراع الخصخصة والعودة للميدان
عُرف عن عزيز صدقي شجاعته في إبداء الرأي، حيث عارض بشدة سياسات الخصخصة التي استهدفت تصفية القلاع الصناعية التي بناها بيده، معتبراً إياها تفريطاً في مقدرات الوطن. ورغم ابتعاده عن العمل التنفيذي لسنوات طويلة، إلا أنه عاد في أواخر حياته للنشاط السياسي المعارض عبر “الجبهة الوطنية”، مطالباً بالتغيير الدستوري وإلغاء حالة الطوارئ، ليؤكد أن طموحه لم يتوقف عند بناء المصانع، بل امتد لبناء “المجتمع الحر”.
رحل الدكتور عزيز صدقي في 25 يناير 2008، مخلفاً وراءه سيرة مهندس لم يكتفِ برسم اللوحات المعمارية، بل رسم خريطة مصر الصناعية، وظل حتى الرمق الأخير مدافعاً عن استقلال القرار المصري.







