
يمر الكيان التاريخي لجماعة الإخوان المسلمين بمنعطف هو الأشد خطورة في تاريخه الحديث؛ حيث تجاوزت الأزمة الحالية حدود الخلاف السياسي واللائحي المعتاد، لتتحول إلى أزمة بنيوية وأخلاقية تهدد الوجود الفيزيائي والروحي للتنظيم.
وفي غمرة هذا التراشق الرقمي والتمترس الإداري، يغيب عن المشهد الجوهر الحقيقي الذي قامت عليه الفكرة: الأخوة الإيمانية والتزكية السلوكية.
إن استعادة التوازن تبدأ من الانعتاق من أسر الإجراءات المتعثرة، والارتقاء إلى آفاق نصوص الوحي المقاصدية، التي تجعل من المصالحة فريضة شرعية وضرورة واقعية لا تقبل التأجيل.
«إنما المؤمنون إخوة».. إسقاط الشيطنة قبل فعاليات المصالحة
حين قرر القرآن الكريم حقيقة الأخوة في قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ»، لم يجعل هذه الأخوة مشروطة بالتوافق الإداري أو الولاء لجبهة دون أخرى.
فالآية جاءت في سياق اقتتال طائفتين من المؤمنين، ومع ذلك أبقى الله سبحانه على وصف الأخوة ثابتًا لا يزول بوجود الخلاف.
المأزق السلوكي الأخطر الذي كشفه الجدل الدائر على منصات التواصل الاجتماعي هو شيطنة وتخوين الطرف الآخر.
كيف استساغ رفقاء الدرب الواحد، ومغتربو المنافي والشتات، تبادل الاتهامات بالعمالة أو السقوط أو خيانة العهد، لمجرد خلاف على الوسائل وآليات الإدارة؟
إن تزكية هذا المعنى تقتضي أولًا وقفًا فوريًا لكل أشكال التراشق الإعلامي المباشر والمبطّن، وإدراك أن حماية أخوة الدين والصف أشد عند الله، وفي ميزان المقاصد، من صيانة موقع فلان أو حيازة شرعية تآكلت بفعل حقائق الواقع والزمن.
«سيادة الحسن».. جرأة التنازل من موقع القدرة
عندما يقف المشهد متعنتًا، وتتمترس كل جبهة خلف مكاسبها وخبراتها، تبرز الحاجة الملحة لتمثّل النموذج النبوي المعجز في إدارة الأزمات؛ نموذج السبط الحسن بن علي رضي الله عنهما، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».
لقد نال الحسن رضي الله عنه صفة السيادة، ليس لأنه حسم الصراع العسكري لصالحه، ولا لأنه تمسك بالخلافة التي كانت حقًا شرعيًا خالصًا بايعته عليه أربعون ألفًا من خيرة الأمة؛ بل نالها لأنه امتلك شجاعة التنازل حقنًا للدماء، وجمعًا للكلمة، وإيثارًا للمصلحة العليا.
إن هذا الدرس النبوي موجه بالدرجة الأولى إلى من يمتلك الشجاعة، ويرجو الأجر والمثوبة، ويتجرد لله من كل هوى وحظوظ نفس، ويقدم المرجوح إن كان فيه اجتماع الصف والكلمة.
إن التنازل من موقع القوة والقدرة ليس انكسارًا أو استسلامًا للخصم، بل هو سيادة حسنية تضع مصلحة القواعد، وحفظ كرامة المتضررين والمعتقلين، في مقدمة الأولويات.
ميزان الربح في التنازل
هنا يبرز ميزان فقهي واستراتيجي دقيق يرفع الحرج عن الطرف المتنازل، فهو رابح في كلتا الحالتين وفقًا للمآلات.
في الحالة الأولى، إذا وُفِّق الطرف المتنازَل له في الأداء وإدارة المرحلة، فإن الطرف الذي بادر بالتنازل ينال ثواب الله كاملًا وفضله العظيم، ويُكتب له أجر تأسيس عام الجماعة، وحفظ الكيان، وإحياء النفوس.
وفي الحالة الثانية، إذا فشل الطرف المتنازَل له وعجزت آلياته عن القيادة، فإن الطرف المتنازل يكون قد رفع الإثم التاريخي والأخلاقي عن نفسه تمامًا، وأقام الحجة أمام القواعد، وبرئت ذمته أمام الله ثم أمام التاريخ، بأنه لم يكن يومًا سببًا في استمرار الشقاق أو تعميق الأزمة.
إن التاريخ لن يذكر من انتصر في الغرف المغلقة، بل سيذكر بإجلال من امتلك جرأة التنازل ليصنع عام جماعة جديدًا، ينقذ التنظيم من التآكل البطيء، والتحول إلى مجرد مكاتب إدارية معزولة بلا روح أو مستقبل.
الفناء التنظيمي المشترك
أيها الإخوان.. إن البديل عن التنازل المتبادل ليس انتصار جبهة على أخرى، بل هو الفناء والتلاشي التنظيمي المشترك، بفعل قوانين الطبيعة وتبدل البيئة الجيوسياسية الإقليمية، التي لم تعد تحتمل وجود كيانات متصارعة.
إن المصالحات الحقيقية تولد من رحم القلوب التي زكّاها الوحي، والعقول التي صهرتها المحن، لتتعلم كيف تنحني أمام العاصفة، وتقود ركابها نحو بر الأمان.
لقد حان الوقت لترتفع قيم الأخوة وسيادة التنازل، فهل هناك من يملك شجاعة الحسن ليدخل التاريخ من باب السيادة الحقيقية؟
النداء الأخير.. من يملك شجاعة الحسن؟
إن التاريخ لا يتوقف طويلًا عند أسماء المنتصرين في الصراعات الداخلية، لكنه يخلد أولئك الذين امتلكوا شجاعة التضحية من أجل وحدة الأمة.
وسيظل السؤال مطروحًا على الجميع: من يملك اليوم شجاعة الحسن؟
من يملك القدرة على تقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الجبهة؟
من يملك أن يتجرد لله، ويتنازل عن بعض ما يحب، ليحفظ ما هو أعظم وأبقى؟
إن الأمة لا تحتاج اليوم إلى غالب ومغلوب، بقدر ما تحتاج إلى رجال يصنعون عام جماعة جديدًا، يعيد للأخوة مكانتها، وللدعوة روحها، وللمشروع قدرته على الاستمرار والعطاء.
وما أحوجنا في زمن الشتات إلى سيادة من هذا الطراز.
د. محمد عماد صابر





