مقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (10).. الحكومة تقاس بالنتائج لا بالتصريحات

بقلم د. أيمن نور

لا تقاس الحكومات بعدد الاجتماعات التي عقدتها، ولا بحجم البيانات التي أصدرتها، ولا بطول المؤتمرات التي تحدثت فيها عن إنجازات قادمة. تقاس الحكومات بما تغير في حياة الناس، وبما تحقق من وعودها على الأرض، وبقدرتها على تحويل القرار إلى أثر، والخطة إلى نتيجة، والرقم المعلن إلى خدمة يلمسها المواطن في بيته ومدرسته ومستشفاه وشارعه وسعر خبزه ودوائه.

عرفت مصر في السنوات الأخيرة سيلًا لا ينتهي من التصريحات الحكومية عن مستهدفات كبرى، ومشروعات عملاقة، وبرامج إصلاح، وخطط حماية اجتماعية، واستراتيجيات تحمل أرقامًا بعيدة المدى. لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق التصفيق وأن يعقب الإعلان هو: ماذا تحقق فعلا؟ ومن استفاد؟ وكم كلف؟ وهل كان البديل أفضل؟ وهل تغيرت حياة المواطن أم تغيرت عناوين البيانات فقط؟

لا أتعامل هنا مع الحكومة الحالية، حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، من باب الخصومة الشخصية أو المناكفة السياسية، بل من باب المحاسبة على النتائج. الحكومة في الدولة الحديثة لا تحاسب على نواياها، ولا على حسن صياغة بياناتها، ولا على قدرتها على شرح الظروف الصعبة، بل على قدرتها على تحويل الوعود إلى نتائج قابلة للقياس. النوايا لا تبني دولة، والتصريحات لا تسدد دينًا، والإنجاز المعلن لا يصبح إنجازًا إلا عندما يراه الناس في معاشهم اليومي.

كشفت السنوات الماضية عن تناقض واضح في الخطاب الحكومي المصري. فحين تتحسن بعض المؤشرات الجزئية، يصبح التحسن دليلًا على نجاح الحكومة. وحين تتدهور مؤشرات أخرى، يصبح السبب حربًا في الإقليم، أو أزمة عالمية، أو اضطرابًا في سلاسل الإمداد، أو ضغوطًا خارجة عن الإرادة. لا أحد ينكر أثر الخارج، لكن الحكومة الجادة لا تنتقي المؤشرات التي تناسب خطابها، ولا تعلق فشلها كله على الشماعات، ثم تنسب كل تحسن عابر إلى حكمتها وحدها.

الدولة الحديثة لا تدار بهذه الطريقة. الحكومة التي تعرف ما تفعل تضع أهدافًا محددة، ومؤشرات أداء معلنة، وجداول زمنية واضحة، ثم تعود إلى الناس بكشف حساب صريح: هذا ما وعدنا به، وهذا ما تحقق، وهذا ما تعثر، وهذه أسباب التعثر، وهذه خطة التصحيح. أما أن تبقى الحكومة في منطقة الإعلان الدائم عن الإنجاز دون تقرير أداء علني شامل، فذلك لا يصنع ثقة ولا يبني شرعية إدارية.

ناقشنا في الحلقة السابقة أن الموازنة ليست مجرد أبواب وبنود، بل وثيقة شرعية مالية. وهذه الحلقة تواصل الفكرة نفسها من زاوية أخرى: الحكومة ليست مجرد قرارات ووزارات وهيئات، بل منظومة نتائج. فإذا كانت الموازنة تقول أين يذهب المال العام، فإن قياس الأداء يقول ماذا صنع هذا المال، ومن المسؤول إن لم يصنع شيئًا.

العالم كله انتقل من فكرة الحكومة التي تعمل إلى فكرة الحكومة التي تحقق. لم يعد كافيًا أن تقول وزارة إنها أطلقت برنامجًا، أو أن تعلن هيئة أنها أنفقت اعتمادًا، أو أن تفاخر حكومة بعدد القرارات. السؤال في الإدارة العامة الحديثة أصبح أكثر قسوة وعدالة: ما الأثر؟ ما العائد؟ ما الفجوة بين المستهدف والمتحقق؟

لهذا ظهرت في الدول الحديثة منظومات مؤشرات الأداء الرئيسية، أو ما يعرف اختصارًا بـ KPI. ليست هذه المؤشرات ترفًا إداريًا، بل وسيلة للحكم على كفاءة الحكومة. كم استغرق استخراج الترخيص؟ كم انخفضت قوائم الانتظار؟ كم تحسن مستوى التحصيل الدراسي؟ كم زادت الصادرات الصناعية؟ كم تراجع الفقر؟ كم انخفض زمن التقاضي؟ وكم ارتفعت ثقة المواطن في الخدمة العامة؟

لا تبدأ الحوكمة من اللغة الجميلة، بل من القدرة على القياس. ما لا يقاس يصعب إصلاحه، وما لا يعلن يصعب محاسبته، وما لا يخضع للمراجعة يتحول بمرور الوقت إلى مساحة آمنة للفشل. لذلك فإن أول خطوة في إصلاح الحكومة هي إخراج الأداء من الظل إلى النور.

تكشف مؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي أن تقييم الحكومات لم يعد يقوم على الانطباعات، بل على أبعاد محددة تشمل فعالية الحكومة، وجودة التنظيم، وسيادة القانون، والسيطرة على الفساد، والمساءلة، والاستقرار. هذه ليست ألفاظًا نظرية، بل مفاتيح عملية لفهم لماذا تنجح دولة في تحويل موارد محدودة إلى نتائج كبيرة، بينما تعجز دولة أخرى عن تحويل موارد أكبر إلى تحسن ملموس.

في مؤشر فعالية الحكومة، وهو أحد مؤشرات الحوكمة العالمية للبنك الدولي، وردت مصر في حدود 41.98 من 100 في أحدث قراءة متاحة لعام 2023 وفق بيانات البنك الدولي المنشورة عبر قواعد البيانات الدولية. هذا الرقم لا يعني حكمًا نهائيًا على الدولة، لكنه يطرح سؤالًا مؤلمًا: كيف يمكن لدولة بتاريخ مصر وحجمها أن تظل دون منتصف الطريق في مؤشر يقيس جودة الخدمات العامة، وكفاءة الجهاز الإداري، ودرجة استقلاله عن الضغوط، وجودة تنفيذ السياسات؟

مؤشر فعالية الحكومة لا يهم الخبراء وحدهم. المواطن لا يعرف اسمه، لكنه يعيش نتائجه كل يوم. يعيشه حين يقف في طابور خدمة، وحين ينتظر موعدًا طبيًا، وحين يحتاج إلى ترخيص، وحين يواجه مدرسة مكتظة، وحين تتغير القواعد فجأة، وحين يجد أن القرار الحكومي قد صدر لكن الخدمة لم تتحسن.

أما مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2025، فقد سجلت فيه مصر 30 درجة من 100، واحتلت الترتيب 130 من بين 182 دولة. هذا المؤشر لا يقيس الفساد المادي وحده، بل يقيس صورة القطاع العام في عيون الخبراء والمستثمرين والفاعلين الاقتصاديين. وكل تراجع في الثقة هنا يعني كلفة أعلى للاستثمار، وخوفًا أكبر من المخاطرة، وضعفًا في عدالة المنافسة.

لا يجوز لحكومة تريد جذب الاستثمار أن تتجاهل مثل هذه المؤشرات. المستثمر لا يستمع إلى الخطاب الرسمي وحده، بل يقرأ المؤشرات الدولية، ويقارن جودة التنظيم، وشفافية التعاقدات، واستقرار القواعد، وقدرة القضاء والإدارة على حماية الحقوق. الاستثمار لا يأتي فقط إلى الدول التي تملك فرصًا، بل إلى الدول التي تملك قواعد واضحة.

في مؤشر الحكومة الإلكترونية الصادر عن الأمم المتحدة عام 2024، تظهر مصر ضمن منظومة دول حققت تقدمًا في بعض جوانب الرقمنة والمشاركة الإلكترونية، مع تسجيل ترتيب 74 في مؤشر المشاركة الإلكترونية وفق بيانات الأمم المتحدة. هذا التقدم مهم، لكنه يظل ناقصًا إذا تحولت الرقمنة إلى واجهة خدمات لا إلى تغيير حقيقي في فلسفة الإدارة. فالمشكلة ليست أن نضع الخدمة على شاشة، بل أن نجعلها أسرع، وأبسط، وأقل احتكاكًا بالبيروقراطية، وأكثر خضوعًا للمساءلة.

تكشف مؤشرات التنمية البشرية بدورها أن المسألة أعمق من الإدارة اليومية. تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2025 وضع مصر عند قيمة 0.754 في مؤشر التنمية البشرية، وفق البيانات المستخدمة في التقرير. هذا الرقم يقول إن مصر تمتلك قاعدة بشرية قابلة للتقدم، لكنه يقول أيضًا إن الاستثمار في الإنسان لم يتحول بعد إلى قفزة كبرى تناسب حجم الدولة وطموحها.

الصورة الاقتصادية في بدايات 2026 تبدو أكثر تعقيدًا. البنك الدولي أشار إلى تراجع التضخم من ذروة بلغت

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى