انهيار المنظومة التعليمية في إيران تحت وطأة السياسات الاقتصادية والتوترات الأمنية الراهنة

تُواجه المنظومة التعليمية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أزمات هيكلية مُركبة تضع مستقبل الملايين من التلاميذ والطلاب على المحك في ظل تصاعد الضغوط الناتجة عن السياسات الحكومية المتخبطة والظروف الاقتصادية المتردية. تُشير التقارير الميدانية إلى أن القطاع التعليمي الذي يُفترض أن يكون قاطرة التنمية بات يعاني من حالة تراجع غير مسبوقة تبتعد به عن معايير الجودة العالمية. تتركز هذه الأزمة في اتساع فجوة الحرمان التعليمي وتفاقم معدلات التسرب المدرسي التي أضحت ظاهرة تُهدد النسيج الاجتماعي في العديد من المحافظات الإيرانية.
تفرض السياسات الحكومية أعباء إضافية على الأسر الإيرانية التي تجد نفسها عاجزة عن توفير المتطلبات الأساسية للعملية التعليمية في ظل التضخم المتسارع. تتجلى هذه الأزمة بوضوح في محافظة كرمانشاه التي سجلت أرقاماً مقلقة حيث انقطع نحو 4000 طالب عن مقاعد الدراسة بسبب تدهور الأوضاع المعيشية والحرب. تُساهم التكلفة المرتفعة للأجهزة الإلكترونية اللازمة للتعليم عن بُعد عبر تطبيق “شاد” في حرمان شرائح واسعة من الطلاب من حقهم في التعلم، مما يدفع الأطفال قسراً نحو سوق العمل المبكر لتعويض نقص الدخل الأسري.
تسييس الفضاء التعليمي وتحويل المدارس إلى ثكنات
تتحول المؤسسات التعليمية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية من مراكز للتنوير إلى فضاءات تخضع للرقابة الأمنية الصارمة نتيجة تدخل السلطة في الشأن التربوي لأغراض أيديولوجية. تورد المصادر الميدانية أن المدارس في بعض المناطق فقدت طبيعتها المؤسسية لتصبح مقرات مؤقتة لتمركز القوات الأمنية، مما يُقصي الطالب من بيئته الآمنة ويضعه تحت طائلة الترهيب. تُؤكد هذه الممارسات نظرة السلطة للطلاب ليس كجيل قادم للبناء بل كعناصر قابلة للسيطرة أو التوظيف في الأجندات السياسية والأمنية خلال الأزمات الراهنة.
تتفاقم حدة المعاناة في ظل قرارات القبول الجامعي التي أثارت احتجاجات واسعة في مدن مثل كرماشان وبيرجند وطهران بسبب ما يراه الطلاب تمييزاً طبقياً واضحاً. تُشير الناشطة سميرة غ إلى أن التعليم تحول إلى امتياز للأثرياء الذين يلتحقون بالمدارس الخاصة، بينما يُحشر الطلاب من الأسر محدودة الدخل في فصول دراسية مكتظة تفتقر لأدنى المقومات. تؤدي هذه الظروف التعليمية المتدنية إلى تخريج أجيال تفتقر للمهارات الأساسية وتعيش واقعاً مُثقلاً بالحرمان وفقدان الفرص الحقيقية للتطور الأكاديمي.
مستقبل ضائع في ظل غياب العدالة التعليمية
يُعاني النظام التعليمي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية من تهميش متعمد للعملية التربوية مقابل تغليب الاعتبارات السياسية التي تُقوض استقلالية المدارس والجامعات. تُمثل هذه السياسات عائقاً أمام التفكير النقدي وتُشكل ضغطاً مضاعفاً على اليافعين الذين يجدون أحلامهم تتلاشى أمام واقع يفرض عليهم النزول إلى الشوارع أو العمل الشاق بدلاً من استكمال تعليمهم. يبرز هذا الواقع المرير في مقارنات تاريخية مع أنظمة سعت لإضعاف الطبقة المتعلمة باعتبارها تهديداً وجودياً لمشاريعها السياسية القائمة على الرقابة والقمع.
تُترجم السياسات الاقتصادية والحروب المستمرة واقعاً مأساوياً حيث تُوئد أحلام الطفولة في بدايتها بفعل غياب بيئة تعليمية مستقرة وعادلة. تُشير الشهادات الميدانية إلى أن الطلاب في شرق كردستان وباقي الأقاليم الإيرانية يواجهون تحديات وجودية تبدأ من نقص المعلمين وتنتهي بالخطر الأمني المحدق بهم. تظل المطالبة بالحق في التعليم هي العنوان الأبرز لمعركة الكرامة التي يخوضها الأطفال ضد سياسات تُهدر مواردهم البشرية وتُحول المدارس إلى ساحات للصراع، مما يعمق أزمة الولاء والانتماء لدى الجيل الجديد في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.







