شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب : مصر الممكنة 2030 (11) الاقتصاد غير الرسمي… مصر السريه

لا تستطيع دولة أن تخطط جيدًا لاقتصاد لا تراه بالكامل.
ولا تستطيع حكومة أن تدير مواردها بكفاءة إذا كان جزء كبير من النشاط الاقتصادي يتحرك خارج خرائطها وإحصاءاتها وقواعدها التنظيمية. هكذا تبدو واحدة من أكبر المفارقات في الاقتصاد المصري المعاصر: اقتصاد ضخم يعمل كل يوم، ويوفر دخلاً لملايين الأسر، ويحرك أسواقًا كاملة، لكنه يظل خارج الحسابات الرسمية بدرجات متفاوتة، وكأنه وطن اقتصادي موازٍ يعيش داخل الدولة دون أن يصبح جزءًا كاملًا منها.

لم أتعرف إلى هذه الظاهرة من خلال الدراسات الاقتصادية فقط، بل عرفتها قبل ذلك بسنوات طويلة من خلال الواقع الحي. عرفتها في شوارع العتبة والموسكي ووسط القاهرة، أثناء سنوات العمل النيابي والاحتكاك المباشر بالناس. رأيت آلاف الباعة والحرفيين وأصحاب الورش الصغيرة والعاملين لحسابهم الخاص، ممن يبدأون يومهم قبل شروق الشمس ولا يملكون في نهاية اليوم سوى ما يكفي للاستمرار في اليوم التالي. كانوا يعملون داخل الاقتصاد، لكنهم في الوقت نفسه خارج الدولة.

طوال سنوات طويلة تعاملت الحكومات المتعاقبة مع هذه الظاهرة باعتبارها مشكلة أمنية أو تنظيمية أو ضريبية. كانت الأسئلة المطروحة تدور غالبًا حول كيفية السيطرة على الأسواق العشوائية أو تحصيل الرسوم أو إزالة المخالفات. لكن السؤال الأهم ظل غائبًا: لماذا يهرب هذا العدد الهائل من الأنشطة أصلًا من الاقتصاد الرسمي؟ وما الذي يجعل ملايين المواطنين يفضلون العمل خارجه رغم ما يحمله ذلك من مخاطر؟

تكشف الأدبيات الاقتصادية الحديثة أن الاقتصاد غير الرسمي ليس ظاهرة مصرية خالصة. فبحسب تقديرات يعمل أكثر من 60% من القوى العاملة في العالم داخل الاقتصاد غير الرسمي بدرجات مختلفة، وتتركز النسب الأعلى في الدول النامية والاقتصادات الانتقالية. غير أن خصوصية الحالة المصرية تكمن في حجم الظاهرة واتساعها وتنوعها.

تختلف التقديرات المتعلقة بحجم الاقتصاد غير الرسمي في مصر بسبب اختلاف مناهج القياس. بعض الدراسات تضعه عند حدود 30% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى نسب أعلى قد تقترب من 50%. لكن مهما اختلفت الأرقام، تبقى الحقيقة الأساسية واحدة: نحن أمام كتلة اقتصادية ضخمة لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها هامشًا صغيرًا.

تضم هذه الكتلة أنشطة متعددة؛ من الورش الحرفية الصغيرة، والتجارة غير المنظمة، والباعة الجائلين، والخدمات المنزلية، والمشروعات متناهية الصغر، وحتى قطاعات كاملة من الاقتصاد الرقمي الجديد. بعض هذه الأنشطة يحقق أرباحًا محدودة للغاية، وبعضها الآخر يحقق أرقامًا كبيرة دون أن يمر عبر المنظومة الرسمية للدولة.

لا تكمن المشكلة في وجود هذا الاقتصاد بحد ذاته، بل في طبيعة العلاقة المختلة بينه وبين الدولة. فالعامل داخله لا يحصل غالبًا على تأمين اجتماعي أو صحي، ولا يتمتع بحماية قانونية كافية، ولا يستطيع الوصول بسهولة إلى التمويل أو التدريب أو الأسواق التصديرية. وفي المقابل تخسر الدولة جزءًا من مواردها الضريبية، كما تخسر القدرة على التخطيط الدقيق لسوق العمل والإنتاج والاستهلاك.

تكشف التجارب الدولية أن الاقتصاد غير الرسمي ينمو عادة في البيئات التي تعاني من تعقيد الإجراءات، وارتفاع تكاليف التسجيل، وضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة. فكلما ازدادت البيروقراطية، ازداد الحافز للهروب منها. وكلما ارتفعت كلفة الامتثال للقواعد، ازداد عدد من يفضلون العمل خارجها.

لا يحتاج الأمر إلى كثير من التنظير لفهم هذه الحقيقة. صاحب الورشة الصغيرة الذي يحتاج إلى شهور من الإجراءات للحصول على ترخيص، أو البائع الذي لا يجد مكانًا قانونيًا لممارسة نشاطه، أو الشاب الذي لا يستطيع تحمل أعباء التسجيل والضرائب والتأمينات منذ يومه الأول، جميعهم يتخذون قرارًا اقتصاديًا مفهومًا حتى لو كان غير مثالي.

لهذا السبب أخفقت كثير من محاولات الدمج التي اعتمدت فقط على العقوبات أو الحملات الإدارية. فالقوة تستطيع إزالة ظاهرة من شارع معين، لكنها لا تستطيع إزالة أسباب وجودها. والدولة التي تطارد نتائج المشكلة دون معالجة جذورها تجد نفسها تدور في الحلقة نفسها عامًا بعد عام.

تعلمت دول عديدة هذا الدرس مبكرًا. البرازيل مثلًا طورت أنظمة ضريبية مبسطة للمشروعات الصغيرة، وخفضت كلفة الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي. الهند استخدمت الرقمنة والهوية الرقمية والشمول المالي لدمج ملايين المواطنين في النظام الاقتصادي. تركيا طورت أسواقًا منظمة وآليات مرنة تسمح لصغار المنتجين والتجار بالعمل داخل الإطار القانوني دون أن يشعروا بأن الدولة خصم لهم.

تكشف هذه التجارب أن الدمج الناجح يبدأ من تغيير نظرة الدولة نفسها. فالبائع الصغير ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، بل طاقة اقتصادية ينبغي تنظيمها. وصاحب المشروع المتناهي الصغر ليس متهربًا بطبيعته، بل مواطن يبحث عن فرصة عمل ودخل واستقرار.

تحتاج مصر إلى تبني هذه الفلسفة الجديدة. فلسفة ترى الاقتصاد غير الرسمي باعتباره احتياطيًا اقتصاديًا هائلًا يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة للنمو والإنتاج والتشغيل إذا أُحسن التعامل معه. فالدول الناجحة لا تكتفي بإدارة الاقتصاد القائم، بل تعمل على توسيع الاقتصاد الذي تراه وتفهمه وتقيسه.

ترتبط هذه القضية كذلك بالعدالة الاقتصادية. فالمواطن الذي يعمل داخل الاقتصاد الرسمي يتحمل أعباء ورسومًا والتزامات لا يتحملها غيره. وكلما طال بقاء هذا الانقسام، تراجعت عدالة المنافسة وتآكلت الثقة في القواعد المنظمة للسوق.

لا يكفي إذن أن ندعو إلى دمج الاقتصاد غير الرسمي، بل يجب أن نسأل: ما الذي سيكسبه المواطن من هذا الدمج؟ الإجابة واضحة: حماية اجتماعية، وتأمين صحي، وفرص تمويل، وبرامج تدريب، وإمكانية التوسع، والوصول إلى الأسواق الحديثة، والقدرة على بناء مشروع مستدام لا مجرد نشاط يومي هش.

تفرض الرقمنة نفسها هنا كأحد أهم أدوات الحل. فالدفع الإلكتروني، والفواتير الرقمية، وقواعد البيانات المترابطة، والشمول المالي، كلها أدوات تجعل الدخول إلى الاقتصاد الرسمي أسهل وأقل تكلفة وأكثر فائدة للجميع.

لا ينبغي أن يتحول الشمول المالي إلى مجرد شعار مصرفي، بل إلى مشروع وطني متكامل يربط المواطن بالنظام الاقتصادي الحديث. فكل حساب مصرفي جديد، وكل مشروع صغير يدخل المنظومة الرسمية، وكل معاملة تنتقل من النقد إلى الرقمنة، تمثل خطوة إضافية نحو اقتصاد أكثر شفافية وكفاءة.

كما تحتاج الدولة إلى إعادة النظر في منظومة الضرائب والرسوم الخاصة بالمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر. فالهدف ليس تعظيم التحصيل في المدى القصير، بل توسيع القاعدة الاقتصادية في المدى الطويل. الدولة الذكية لا تسأل أولًا: كم سأحصل؟ بل تسأل: كيف أجعل الانضمام إلى المنظومة خيارًا أفضل من البقاء خارجها؟

ترتبط هذه القضية أيضًا بسوق العمل. تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من العمالة المصرية تعمل في أنشطة غير رسمية أو شبه رسمية. وهذا يعني أن ملايين المواطنين يعيشون دون حماية كافية في مواجهة المرض أو الشيخوخة أو البطالة أو الحوادث المهنية. لذلك يصبح دمج الاقتصاد غير الرسمي جزءًا من مشروع العدالة الاجتماعية بقدر ما هو جزء من مشروع التنمية الاقتصادية.

مصر الممكنة لا ترى في هذا الاقتصاد خصمًا

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى