العالم العربيملفات وتقارير

ملاحقات الحوثي في إب تفجر موجة نزوح واسعة وتكشف زيف الاستقرار الأمني

تتصاعد حدة الانتهاكات الحقوقية في مناطق سيطرة الجماعات المسلحة لتكشف عن واقع مأساوي يعيشه السكان بعيداً عن الشعارات المرفوعة، وتأتي محافظة إب في صدارة المشهد الإليق بعد أن تحولت ملاحقات الحوثي في إب إلى كابوس حقيقي يهدد حياة النخب الفكرية والاجتماعية والمهنية بشكل غير مسبوق، الأمر الذي دفع بمئات العائلات إلى الفرار والنزوح الجماعي نحو مناطق مغايرة للنجاة بأنفسهم من آلة القمع والاعتقالات التعسفية المستمرة منذ عام كامل.

تؤكد البيانات الموثقة أن ملاحقات الحوثي في إب استهدفت بشكل مباشر شريحة واسعة من الأكاديميين والتربويين والأطباء والمهندسين والشخصيات الاجتماعية المدنية، حيث أسفرت هذه الهجمة العسكرية الممنهجة عن اختطاف أكثر من 115 شخصاً من مختلف التخصصات الحيوية، ورغم الإفراج عن عدد محدود منهم في أوقات متفرقة لا يزال الغالبية العظمى رهن الاحتجاز القسري داخل السجون والمعتقلات، وسط مخاوف حقيقية من تعرضهم لأبشع أنواع الانتهاكات الجسدية والمعنوية التي تفتقر لأدنى معايير الإنسانية.

يتضح من الواقع الميداني أن تداعيات هذه الحملة الأمنية الشرسة لم تتوقف عند حدود الاعتقال المباشر للرموز الفكرية والمهنية، بل امتدت النيران لتلتهم أمن واستقرار عائلاتهم وعشرات الأسر الأخرى التي تلقت تهديدات مباشرة بالملاحقة، مما أجبر ما يقارب 260 أسرة على مغادرة منازلها قسراً والنزوح صوب محافظات مأرب وعدن وتعز وحضرموت وغيرها من المناطق البعيدة عن قبضة المليشيا، باحثين عن ملاذ آمن يحميهم من بطش الملاحقات الأمنية المتربصة بكل صوت مستقل.

تكبدت العائلات المهجرة خسائر إنسانية واقتصادية فادحة نتيجة هذا النزوح المفاجئ الذي جرد المواطنين من أبسط مقومات حياتهم المعيشية، حيث تسببت ملاحقات الحوثي في إب بفقدان مئات الوظائف ومصادر الدخل الثابتة والتخلي عن المنازل والممتلكات الخاصة والأعمال التجارية، فضلاً عن الآثار الكارثية التي لحقت بالعملية التعليمية للأطفال الذين انقطعوا عن مدارسهم، تزامناً مع تحمل أولياء الأمور أعباء مالية مضاعفة جراء الارتفاع الحاد في تكاليف السكن والخدمات الأساسية بالمدن البديلة.

أزمة معيشية خانقة تلاحق المهجرين قسراً

يواجه النازحون ظروفاً معيشية بالغة التعقيد بعد مرور عام كامل على تهجيرهم في ظل غياب برامج الدعم الحقيقية، واضطرت العديد من الأسر إلى بيع ممتلكاتها وأراضيها لتأمين لقمة العيش بعد نفاد كافة المدخرات المالية، وتتزايد التحذيرات من تفاقم هذه الأزمة الإنسانية وتحولها إلى كارثة طويلة الأمد تهدد الاستقرار الاجتماعي لمئات العائلات، إذا استمر الصمت تجاه هذه الممارسات التي تضرب عمق النسيج المجتمعي.

تطالب الأوساط الحقوقية بضرورة الوقف الفوري وغير المشروط لكافة الملاحقات والاستهدافات الممنهجة بحق المدنيين في المحافظة، وتشدد على أهمية الإفراج العاجل عن كافة المختطفين والمخفيين قسرياً في السجون، وترى تلك الأوساط أن مواجهة تداعيات ملاحقات الحوثي في إب تتطلب بشكل عاجل إنشاء آلية وطنية مستقلة لرصد أوضاع الأسر المتضررة وتوفير برامج إغاثية وسكنية وصحية عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ينبغي على الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تكثيف الضغوط والاهتمام بملف النازحين قسراً وتقديم المساندة اللازمة للحد من المعاناة المتفاقمة، ويتطلب الأمر توثيقاً دقيقاً لكافة الانتهاكات المرصودة لمساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني، مع ضرورة تسليط الضوء المستمر على خطورة ملاحقات الحوثي في إب وما تفرزه من واقع ديموغرافي واقتصادي مرير يدفع ثمنه المواطن البسيط وحده.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى