الدكتور ايمن نور يكتب: عندما يقول القضاء كلمته.. الاوطان ليست جزر للبيع

جاءت القصة الموحيه من جزيرة صغيرة تطل على مياه الأدرياتيكي، لكنها سرعان ما تحولت إلى حكاية أكبر من جزيرة،
وأبعد من مشروع سياحي،
وأعمق من نزاع محلي حول قطعة أرض أو محمية طبيعية.
حكاية أعادت طرح سؤال قديم يتجدد كلما التقت السلطة بالثروة عند حدود الجغرافيا: من يملك الوطن؟ ومن يملك حق التصرف في ذاكرته ومقدراته ومستقبله؟
حملت جزيرة «سازان» لعقود طويلة صفة الموقع العسكري الحساس، قبل أن تحمل صفة أخرى أكثر إثارة للجدل: مشروع استثماري عملاق تتجاوز قيمته المليار يورو، تقوده مجموعة مرتبطة بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبين الصفتين وقفت ألبانيا كلها أمام اختبار صعب؛ اختبار العلاقة بين التنمية والسيادة، وبين الاستثمار والحق العام.
تحدثت الحكومة عن فرص عمل، وعن تدفقات مالية، وعن سياحة فاخرة تضع البلاد على خريطة الأثرياء العالميين. لغة مألوفة تتكرر كلما اقترب رأس المال الكبير من أرض بكر أو شاطئ نادر أو موقع استراتيجي. لكن الشعوب تمتلك أحيانًا حاسة خاصة لقراءة ما لا يُكتب في البيانات الرسمية، وما لا يظهر في العروض الترويجية اللامعة.
رأى الألبان ما هو أبعد من الفنادق والمنتجعات. رأوا جزيرة تغادر المجال الوطني إلى فضاء الامتيازات الخاصة. ورأوا محمية طبيعية تُعاد صياغة مستقبلها في غرف مغلقة. ورأوا سلطة تتحدث باسم التنمية فيما يتسلل إلى المشهد سؤال أكبر: هل تصبح الأرض العامة سلعة كلما حضر المستثمر الكبير؟
خرجت الجموع إلى الشوارع، لا دفاعًا عن الأشجار وحدها، ولا عن الطيور المهاجرة وحدها، ولا عن السلاحف البحرية وحدها. خرجت دفاعًا عن فكرة أبسط وأعمق: أن الأوطان ليست عقارات فاخرة، وأن السيادة ليست أصلًا قابلًا للتسويق، وأن ما تملكه الأمة لا يجوز أن يتحول إلى امتياز حصري لمن يملكون المال والنفوذ.
ارتفع الشعار الذي لخص المشهد كله: «ألبانيا ليست للبيع». لم يكن مجرد هتاف احتجاجي، بل إعلانًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد. فثمة لحظات تختصر فيها الشعوب برامج كاملة في جملة واحدة، وتكتب على لافتة صغيرة ما تعجز الحكومات عن فهمه في آلاف الصفحات.
اكتسبت القضية بعدًا جديدًا عندما دخل القضاء على الخط، وبدأت التحقيقات في التعديلات القانونية والاستثناءات والإجراءات التي أحاطت بالمشروع. عندها لم تعد المسألة خلافًا حول مشروع استثماري، بل تحولت إلى معركة حول الشفافية والمساءلة وحق المجتمع في معرفة كيف تُدار ثرواته الوطنية.
تكمن أهمية التجربة الألبانية في أنها تكشف الفارق بين دولتين: دولة ترى الأرض إرثًا وطنيًا يجب حمايته، ودولة تنظر إليها باعتبارها مخزونًا قابلًا للتصرف كلما ضاقت الموارد أو حضرت الإغراءات. الفارق بين من يتعامل مع الجغرافيا بوصفها هوية، ومن يتعامل معها بوصفها صفقة.
لا أحد يعادي الاستثمار، ولا أحد يرفض التنمية، ولا أحد ينكر أهمية تدفق رؤوس الأموال. لكن الاستثمار شيء، وتحويل الأوطان إلى مشروعات عقارية شيء آخر. التنمية شيء، والتنازل التدريجي عن المجال العام شيء آخر. والشراكة الاقتصادية شيء، وبيع المفاتيح شيء مختلف تمامًا.
تعلمنا التجارب أن الخرائط لا تتغير فجأة، بل تتغير خطوة بعد خطوة. يبدأ الأمر باستثناء محدود، ثم امتياز خاص، ثم مساحة مغلقة، ثم منطقة كاملة تخرج من المجال العام دون أن ينتبه كثيرون. وحين يكتشف الناس ما جرى، يكون جزء من الحكاية قد كُتب بالفعل.
لهذا لم يكن الدفاع عن «سازان» دفاعًا عن جزيرة فحسب، بل دفاعًا عن مبدأ. مبدأ يقول إن التنمية لا تُقاس بعدد الأبراج المطلة على البحر، بل بمدى احترامها لحقوق المجتمع. وأن قيمة الأوطان لا تُحددها أسعار السوق، بل تضحيات أبنائها وذاكرتها وتاريخها وحق أجيالها القادمة فيها.
تمنح ألبانيا اليوم درسًا سياسيًا يستحق التأمل. فإرادة الشعوب قد تتعثر لكنها لا تموت، وصوت المواطنين قد يضعف لكنه لا يختفي، والخرائط التي رسمتها الجغرافيا لا ينبغي أن يعاد رسمها بقرارات فوقية أو بسطوة المال أو بإغراءات العوائد السريعة.
ليست «سازان» جزيرة ألبانية فقط، وليست هذه المعركة شأنًا محليًا يخص شعبًا بعينه. إنها مرآة ترى فيها أمم كثيرة صورتها وهي تتأمل مصير شواطئها وجزرها وسواحلها ومواردها العامة. مرآة تطرح السؤال الذي سيظل حاضرًا ما بقيت الأوطان: هل تكون الأرض وطنًا يسكن الناس فيه، أم أصلًا ماليًا يمر بين الأيدي؟
أجابت ألبانيا بطريقتها الخاصة. أجابت من الشارع لا من المكاتب، ومن اللافتات لا من العقود، ومن ضمير المجتمع لا من حسابات المستثمرين. قالت ببساطة ووضوح ما تحتاج شعوب كثيرة إلى ترديده كل يوم:
الوطن ليس للبيع.







