تأسيس قاعدة عسكرية إسرائيلية دائمة في قلب جنين ينهي اتفاقيات أوسلو الميدانية

أعلنت السلطات العسكرية في إسرائيل عن تحول استراتيجي جذري في شمال الضفة الغربية يتمثل في إنشاء أول قاعدة عسكرية دائمة داخل مدينة جنين، وتعد هذه الخطوة هي الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، إذ يرسخ جيش الاحتلال الإسرائيلي تواجده في المنطقة المصنفة “أ” التي كانت تخضع اسميا للسيطرة الفلسطينية الكاملة، مما يمثل تغييرا واقعيا في جغرافيا الصراع الميداني المعقد.
وقعت قيادة المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال الإسرائيلي مطلع شهر مايو أمرا رسميا يقضي بمصادرة مساحات من الأراضي الخاصة في منطقة الجابريات، وتكمن خطورة هذا الموقع في كونه منطقة استراتيجية مرتفعة تشرف بشكل مباشر على مخيم جنين، مما يمنح قوات الاحتلال الإسرائيلي القدرة على المراقبة والسيطرة الدائمة برؤية أمنية طويلة الأمد على كافة التحركات السكنية في تلك المنطقة الحيوية المكتظة.
جاء هذا الإقرار العسكري ردا على التماس قانوني ضد استمرار التهجير القسري لأكثر من 33 ألف مواطن فلسطيني من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، حيث تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي منع آلاف العائلات المهجرة من العودة إلى مساكنها منذ انطلاق العملية العسكرية الواسعة التي عرفت باسم السور الحديدي في مطلع العام الجاري، وتتفاقم أزمة النازحين في ظل رفض السماح لهم باستعادة حياتهم الطبيعية.
تبلغ مساحة الأراضي التي استولت عليها القوات العسكرية لتشييد القاعدة نحو سبعة دونمات، ويهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي من خلال هذه المساحة إلى تثبيت انتشار قواته بشكل دائم بعيدا عن تكتيكات الاقتحامات المؤقتة، ويربط محللون بين هذا الإجراء والمساعي الحكومية الإسرائيلية الرامية لإعادة بناء المستوطنات التي أزيلت سابقا في شمال الضفة الغربية بعد إلغاء قانون فك الارتباط المثير للجدل.
تأتي هذه الخطوة كأول خرق ميداني شامل لاتفاقيات أوسلو منذ عقود، حيث يتجاوز الاحتلال الإسرائيلي التفاهمات الأمنية التي كانت تنظم التواجد العسكري في المناطق الفلسطينية، ويدعي جيش الاحتلال الإسرائيلي أن أمر مصادرة الأراضي سيبقى ساريا حتى شهر أكتوبر المقبل لضمان حرية العمل العسكري وتأمين تحركات الجنود، رغم الانتقادات القانونية التي تؤكد عدم وجود مبرر دولي يشرعن المساس بحقوق العائلات.
تصف تقارير حقوقية الوضع في شمال الضفة الغربية بأنه يمثل أكبر موجة تهجير قسري يشهدها الفلسطينيون منذ عام 1967، خاصة مع تعرض البنية التحتية للمخيمات لعمليات تجريف شاملة طالت شبكات المياه والكهرباء والمرافق الخدمية، وقد أدى هذا الاستهداف الممنهج إلى تحويل مساحات شاسعة في جنين وطولكرم إلى مناطق تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية في ظل الحصار العسكري المشدد.
تفرض هذه التطورات الميدانية واقعا أمنيا جديدا يهدف إلى تطويق المحافظات الفلسطينية الشمالية عسكريا وتغيير قواعد الاشتباك التي استقرت لسنوات طويلة، ومع استمرار عمليات التمركز، تتصاعد التحذيرات من أن تكون هذه القاعدة العسكرية منطلقا لعودة النشاط الاستيطاني إلى محيط مدينة جنين، وهو ما يهدد بتفجير موجات جديدة من المواجهة الميدانية المباشرة بين كافة الأطراف في هذه المنطقة المشتعلة.







