حسين رشدي باشا.. رجل المهام الصعبة في زمن الاحتلال وثورة 1919 .. وجوه مصرية ..

حسين رشدي باشا (1863 – 1928) يعد واحداً من أبرز السياسيين ورجال الدولة في تاريخ مصر الحديث. تولى رئاسة الوزراء في فترة من أصعب الفترات التاريخية وأكثرها حرجاً، وهي فترة الحرب العالمية الأولى وما تلاها من إرهاصات ثورة 1919.
تميز برصانته القانونية ودبلوماسيته الهادئة في التعامل مع سلطات الاحتلال البريطاني من جهة، والحركة الوطنية من جهة أخرى.
النشأة والتعليم
ولد حسين رشدي في القاهرة لأسرة عريقة ذات أصول تركية، وكان والده كاتبًا ومسؤولاً بارزاً. حظي بتعليم راقٍ عكس أبناء جيله من النخبة:
تلقى تعليمه الأولي في مصر، ثم سافر إلى باريس حيث أتم تعليمه الثانوي.
حصل على ليسانس الحقوق من جامعة باريس، مما منحه خلفية قانونية قوية شكلت مسيرته اللاحقة.
عاد إلى مصر ليعمل في سلك القضاء وتدرج في المناصب القضائية والإدارية حتى أصبح وزيراً للحقانية (العدل)، ثم وزيراً للخارجية.
رئاسة الوزراء وأصعب الفترات التاريخية
شكل حسين رشدي باشا الوزارة أربع مرات متتالية بين عامي 1914 و1919، واجه خلالها أحداثاً غيرت وجه مصر:
1. إعلان الحماية البريطانية (1914)
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أعلنت بريطانيا الحماية على مصر وفصلها رسمياً عن الدولة العثمانية، وعزل الخديوي عباس حلمي الثاني وتعيين السلطان حسين كامل. اضطر رشدي باشا لتسيير أعمال البلاد في ظل “الأحكام العرفية” الصارمة التي فرضها الإنجليز، وحاول جاهداً تقليل وطأة التجنيد الإجباري (النقرة) وجمع الموارد لصالح المجهود الحربي البريطاني عن الفلاحين المصريين.
2. التمهيد لثورة 1919
بعد انتهاء الحرب في نوفمبر 1918، تبلورت الحركة الوطنية بقيادة سعد زغلول للمطالبة بالاستقلال والسفر إلى مؤتمر الصلح في باريس.
اتخذ رشدي باشا موقفاً مؤيداً لحق مصر في عرض قضيتها، وطلب رسمياً من سلطات الاحتلال السفر هو ووزير عدله (عدلي يكن باشا) إلى لندن للتفاوض، بالتزامن مع طلب “الوفد”.
عندما رفضت بريطانيا سفر الوفد وسفر الوزراء، قدم حسين رشدي استقالة حكومته تضامناً مع المطلب الوطني، وهي الاستقالة التي هزت المشهد السياسي وأشعلت الأجواء قبيل نفى سعد زغلول وانطلاق الثورة.
الملامح السياسية والفكرية
رجل دولة دستوري: كان يؤمن بالعمل القانوني والمؤسسي، ولعب دوراً بارزاً بعد الثورة؛ حيث ترأس “لجنة الثلاثين” (عام 1922) التي وضعت مسودة دستور 1923، والذي اعتبر خطوة ديمقراطية هامة في تاريخ مصر.
رئاسة مجلس الشيوخ: تقديراً لخبرته وحنكته، تولى رئاسة مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) ليكون صمام أمان تشريعي في تلك الفترة.
دعم التعليم والثقافة: كان من المساندين بقوة لفكرة إنشاء “الجامعة المصرية” (جامعة القاهرة حالياً) وكان عضواً في مجالسها الأولى، مؤمناً بأن الاستقلال الحقيقي يبدأ بـ التنوير والتعليم.
توفي حسين رشدي باشا في عام 1928، تاركاً إرثاً من الحنكة السياسية؛ حيث وصفه المؤرخون بأنه “رجل المهام الصعبة” الذي استطاع العبور بالسفينة الحكومية وسط أمواج الاحتلال العاتية دون أن يصطدم بشكل يخرب البلاد، ودون أن يتنازل عن كرامة الحقوق المصرية..







