من ذاكرة التاريخ: اغتيال العالم المصري “يحيى المشد”.. رحيل غامض لعقل عربي فذ

في مثل هذه الأيام من شهر يونيو، يستحضر التاريخ واقعةً من أبشع جرائم الاغتيال السياسي التي استهدفت العقول العربية؛ إذ يوافق الثالث عشر من يونيو ذكرى رحيل الدكتور يحيى المشد (1932-1980)، أحد أبرز علماء الذرة في العالم، والذي دفع حياته ثمناً لإصراره على بناء القدرة العلمية والنووية للأمة، في عملية نُسبت أصابع الاتهام فيها لجهاز الموساد الإسرائيلي، ولا تزال ذكراها جرحاً غائراً في ذاكرة العقول التي فُقدت في ظروف غامضة.
مسيرة عالمٍ لا يعرف المستحيل
وُلد الدكتور يحيى المشد في 11 يناير 1932، وأظهر منذ نعومة أظفاره نبوغاً علمياً استثنائياً. تخرج في كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، وكان ترتيبه الثالث على دفعته، مما أهله لبعثة علمية إلى موسكو في عام 1956، حيث قضى ست سنوات عاد بعدها ليصبح واحداً من أهم عشرة علماء على مستوى العالم في مجال “التصميم والتحكم في المفاعلات النووية”.
لم يكن المشد مجرد أكاديمي؛ بل كان رئيساً لقسم الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية، وأستاذاً تتلمذ على يديه العشرات، ناشراً أكثر من خمسين بحثاً علمياً رصيناً في كبرى الدوريات العالمية، قبل أن يقرر الانخراط في المشروع النووي العراقي الذي وفر له بيئة علمية طموحة، وهو ما جعل من المشد هدفاً استراتيجياً للمخابرات الإسرائيلية التي كانت تترصد أي تقدم نووي عربي.
نضالٌ علميٌ وثمنٌ باهظ
تعددت محاولات استقطاب الدكتور المشد خلال عمله في النرويج، حيث قُدمت له عروض للحصول على الجنسية وإغراءات مادية ضخمة، لكنه رفضها جميعاً. ولم يكتفِ المشد برفض الإغراءات، بل حمل قضيته الوطنية والإنسانية معه؛ حيث ألقى خطبة علمية موثقة ومؤثرة حول الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، مما أثار غضب اللوبي الصهيوني في أوروبا، وجعل حياته مهددة بالمضايقات التي دفعته للعودة إلى القاهرة قبل أن يشد الرحال إلى العراق لاستكمال مسيرته.
ليلة الغدر في فندق “ميريديان”
في ليلة الثالث عشر من يونيو عام 1980، وفي الغرفة رقم 941 بفندق “ميريديان” بباريس، وجد العالم الكبير جثة هامدة مهشمة الرأس. ورغم أن بصمات الموساد كانت واضحة للعيان، إلا أن التحقيقات الفرنسية أغلقت القضية تحت بند “ضد مجهول”.
ولم تقف المأساة عند حد اغتياله؛ بل امتدت لتصفية الشاهدة الوحيدة في القضية، امرأة الليل الفرنسية (ماري كلود ماجال)، التي لقيت مصرعها دهساً بسيارة مجهولة بعد أقل من شهر من الواقعة، في محاولة لطمس أي خيط قد يؤدي إلى الجناة.
وطنٌ يتجاهل أبناءه.. وذاكرةٌ لا تنسى
شهدت جنازة الدكتور يحيى المشد تجاهلاً رسمياً، حيث لم يحضرها من مسؤولي الدولة أو زملائه في الجامعة إلا قلة معدودة، وذلك في ظل أجواء سياسية معقدة كانت تمر بها المنطقة في ذلك الوقت. وبقيت أسرة المشد، التي فقدت عائلها، تعيش في ظروف صعبة، لولا المعاش الذي خصصه له الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بينما ظل ملف القضية مقفولاً في سجلات “المجهول”.
رحل الدكتور يحيى المشد، تاركاً خلفه إرثاً علمياً كبيراً وسيرة بطلٍ رفض المساومة على انتمائه، ليظل اسمه محفوراً في سجلات العلماء الذين اختاروا طريق العلم والكرامة، حتى لو كان ثمن ذلك حياتهم.








