ملفات وتقارير

مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية: فن البقاء السياسي.. كيف صاغ أردوغان نموذجًا إسلاميًا قادرًا على التكيّف مع الدولة والعالم؟

—————

يمثل رجب طيب أردوغان واحدة من أكثر الشخصيات السياسية تأثيرًا في العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، ليس فقط بسبب بقائه الطويل في السلطة، بل بسبب قدرته على بناء نموذج سياسي إسلامي استطاع التكيّف مع تعقيدات الدولة الحديثة والنظام الدولي والتحولات الإقليمية المتسارعة. فبعد عقود من الصدام بين التيارات الإسلامية والدولة التركية العلمانية، نجح أردوغان في تطوير مقاربة مختلفة جمعت بين الهوية الإسلامية، والبراغماتية السياسية، والإصلاح الاقتصادي، وإعادة بناء العلاقة مع مؤسسات الدولة العميقة والجيش والنخب الاقتصادية.

تكشف التجربة الأردوغانية أن “فن البقاء السياسي” لم يكن قائمًا فقط على الشعبية الانتخابية، بل على فهم عميق لموازين القوى الداخلية والخارجية، والقدرة على التدرج، وإدارة التحالفات، وإعادة التموضع عند الضرورة دون التخلي الكامل عن المشروع أو الهوية. كما أظهرت التجربة أهمية الاقتصاد والتنمية والخدمات في تثبيت الشرعية الشعبية، إلى جانب توظيف الإعلام والرمزية الحضارية والخطاب القومي–الإسلامي في بناء قاعدة جماهيرية واسعة.

وتوضح الورقة أن نجاح النموذج التركي لم يكن خاليًا من التناقضات والأزمات، لكنه قدم مثالًا مهمًا على قدرة الحركات الإسلامية على الانتقال من عقلية الاحتجاج إلى عقلية الدولة، ومن الخطاب الأيديولوجي المغلق إلى إدارة الواقع بتعقيداته المحلية والدولية، وهو ما يجعل تجربة أردوغان واحدة من أهم التجارب السياسية التي تستحق الدراسة في العالم الإسلامي المعاصر.

أولًا: التمهيد – من تجربة الصعود إلى معركة البقاء

منذ تولي حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان الحكم في تركيا عام 2002، تحوّلت التجربة التركية إلى واحدة من أكثر النماذج الإسلامية السياسية إلهامًا وإثارة للنقاش في العالمين العربي والإسلامي. فقد نجح الحزب في الجمع بين الإسلام المحافظ والممارسة السياسية، وبين الانفتاح الاقتصادي والهوية الحضارية، في لحظة كان الإسلاميون فيها في معظم البلدان العربية يواجهون الإقصاء أو القمع أو الفشل في إدارة الدولة.

لكنّ العقدين الماضيين لم يكونا طريقًا ممهّدًا؛ فقد واجهت التجربة تحديات كبرى:

• انقلابات ناعمة وصلبة،

• حروب إقليمية ضاغطة،

• حصار اقتصادي متكرر،

• وحملات إعلامية غربية كثيفة تهدف إلى شيطنة الحزب وتشويه زعامته.

ورغم ذلك، فإن العدالة والتنمية لم ينجُ فقط من تلك التحديات، بل حوّل كثيرًا منها إلى منصّات صعود جديدة. وهنا تكمن فرادته: فهو ليس مجرد حزب ناجح انتخابيًا، بل حالة سياسية فكرية استطاعت أن تتكيّف دون أن تتنازل عن جوهر مشروعها.

ثانيًا: إدارة الصراع الداخلي – من ترويض الدولة العميقة إلى هندسة التوازن المؤسسي

1. المعركة الأولى: ترويض المؤسسة العسكرية

منذ تأسيس الجمهورية عام 1923، كانت المؤسسة العسكرية هي الحارس العقائدي للعلمانية الكمالية، وقد أطاحت بحكومات منتخبة مرات عدة (1960، 1971، 1980، 1997). حين وصل العدالة والتنمية إلى السلطة، لم يواجه فقط أزمة ثقة، بل نظامًا موازيًا من الضباط والقضاة والإعلاميين يدير الدولة من وراء الستار.

اعتمد الحزب استراتيجية “الترويض الصبور” لا المواجهة المباشرة:

• أقرّ إصلاحات قانونية (2002 – 2004 – 2007) قلّصت صلاحيات “مجلس الأمن القومي”.

• أعاد هيكلة التعيينات في القضاء والشرطة والجيش.

• وفتح الباب أمام محاكمات “أرغنكون” و“المطرقة”، التي كشفت شبكات الانقلاب العميق داخل الدولة.

لكن الذروة كانت في يوليو 2016، عندما واجهت تركيا أعنف محاولة انقلابية في تاريخها الحديث، مدعومة من جماعة فتح الله غولن. كان الانقلاب نقطة تحول؛ إذ وحّدت الشارع التركي خلف القيادة المنتخبة، وأعادت تشكيل الدولة على أسس جديدة من الولاء الوطني والسيادة المؤسسية.

وهكذا، استطاع أردوغان أن يُنهي قرنًا من الوصاية العسكرية دون أن يغرق في الفوضى، بل عبر مسار ديمقراطي تدريجي متماسك.

2. المعركة الثانية: تفكيك الكيانات الموازية وإعادة بناء الدولة

لم تكن الدولة العميقة فقط في الثكنات، بل في المؤسسات التعليمية والقضائية والإعلامية، التي تسللت إليها شبكات “الخدمة” التابعة لغولن منذ التسعينات. بعد 2016، شنّ أردوغان أكبر عملية إعادة هيكلة مؤسسية في تاريخ الجمهورية:

• دمج أجهزة الأمن والاستخبارات في منظومة مركزية واحدة تحت رئاسة الجمهورية.

• إنشاء مجلس تنسيق جديد للإعلام والاتصال لضبط الخطاب العام.

• تطهير البيروقراطية من العناصر الموالية للتنظيم الموازي، مع بناء نخب إدارية بديلة من داخل الحزب ومحيطه الاجتماعي.

صحيح أن هذه العملية أثارت جدلًا حول تنامي مركزية السلطة، لكنها أعادت للدولة التركية قدرتها على اتخاذ القرار دون نفوذ خارجي أو داخلي متشابك، وهو ما شكّل قاعدة الانطلاق نحو النظام الرئاسي الجديد عام 2018.

3. المعركة الثالثة: تجاوز الاستقطاب الاجتماعي وإدارة التوازن الهويّاتي

من أخطر التحديات التي واجهها الحزب منذ بدايته هو الاستقطاب الأيديولوجي بين التيار الإسلامي المحافظ والتيار العلماني القومي. إلا أن القيادة السياسية نجحت في:

• توظيف الهوية الإسلامية بوصفها مظلة وطنية جامعة، وليست مشروعًا أيديولوجيًا ضيقًا.

• تعزيز صورة الإسلام باعتباره هوية ثقافية وحضارية أكثر منه برنامجًا سياسيًا.

• وتجنّب الاصطدام بالمؤسسة الدينية الرسمية (رئاسة الشؤون الدينية – ديانت)، بل تحويلها إلى أداة ناعمة لدعم المشروع القيمي للدولة.

كما أن الحزب حافظ على قاعدة شعبية واسعة تمتد من الريف المحافظ إلى الطبقة الوسطى المتعلمة، بفضل سياسات الرفاه الاجتماعي والمشاريع التنموية الكبرى.

وهكذا، استطاع العدالة والتنمية أن يُعيد تعريف الإسلام السياسي داخل الدولة الحديثة بوصفه “هوية حاكمة لا سلطة دينية”، وهو ما حفظ التجربة من مصير الإقصاء الذي واجه الإسلاميين في بلدان أخرى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى