شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: كتابي الجديد.. الغبي

أعرف شخصًا يصلي علنًا وجهارًا، ويدعو الله سرًا ألا يحرمه من نعمة الغباء.
كلما تذكرته،ضحكت قليلًا، ثم أقلق كثيرًا. فالشخصيات الساخرة العظيمة لا تضحكنا لأنها طريفة، بل لأنها تقترب أكثر مما ينبغي من الحقيقة المؤلمه.

سنوات طويلة من العمر قضيتها بين السياسة والإعلام والعمل العام أقنعتني بأن البشرية لم تعانِ عبر تاريخها من نقص الحكماء بقدر ما عانت من وفرة الأغبياء الواثقين من أنفسهم.

لعقود، التقيت بأصحاب علم ازدادوا تواضعًا، كلما ازدادت معارفهم، وأصحاب تجارب كبرى ازدادوا حذرًا كلما تراكمت خبراتهم.
لكنني صادفت في حياتي أيضا ،صنفًا آخر من البشر؛ كلما ضاقت معرفتهم اتسع يقينهم
، وكلما قلت خبرتهم، ارتفعت ثقتهم بنفسهم، وكلما ابتعد عن الحقيقة ازداد اقتناعًا بأنه يحتكرها وحده.

يطلق الاحكام من على منصته وكانه القاضي العارف بالله والقانون وهو لم يدرس القانون ولم يلم يوما بعلوم الشريعه ومقاصدها،

في زماننا كنا نقول علي القاضي العادل:
انه يضع عمامه بن حنبل فوق راسه وكتاب حكمة الشافعي علي يمينه ،وكتاب الجبرتي علي يساره،ويصدر احكامه مختتمها(بالله اعلم)

وفي زمن اخر، بتنا نرى القاضي العادل، يعتلي منصات اليوتيوب والتيك توك ، ويضع فوق راسه،” زعبوط شكوكو “
وعلي يمينه ،كتاب فقه التريند ، وعلي يساره كتاب(ذا بيج بوك اوف سوير ووردز)الكتاب المقدس للكلمات والشتائم النابيه،لمؤلفه الكندي ريان ماجينا… ويصدر ويستهل احكامه ليس باسم الله، ولا بإسم الشعب،بل بوسم وهشتاج
ويختتمها ،باضغط علي الجرس ،والليك والسير

منذ سنوات باتت تراودني وتلح علي فكرة كتابة كتاب عن [الغباء].
فكره انفعالية ،أهرب منها أحيانًا، ثم أعود إليها. أحاول منذ سنوات ،إقناع نفسي بأن الموضوع لا يستحق، ثم تفاجئني الحياة بمشهد جديد أو شخصية جديدة( سياسيه /اعلاميه/طبيه)
أو واقعة جديدة تؤكد أن جانبًا كبيرًا من مآسي البشر لم تصنعه المؤامرات وحدها، ولم يصنعه الفساد وحده، بل صنعه أيضًا ذلك الخليط -عجيب الصنعه-من الجهل، والغرور، والعناد الذي نطلق عليه اختصارًا اسم الغباء المزمن.

الغبي الفاسد في السلطة،و الغبي من خارجها ،مشكلته أكثر تعقيدًا؛ لأنه غالبًا لا يعرف أنه غبي، بل يعتقد أنه أكثر الناس فهمًا، وأكثرهم إدراكًا، وأبعدهم نظرًا. ولهذا كانت بعض الكوارث في التاريخ من صنع أناس كانوا مقتنعين تمام الاقتناع أنهم آباء الحكمه وسلامه الوطنية ، ساهم الله لينقذون العالم، بينما هم يدفعونه دفعا نحو الهاوية.

سؤال ظل يلاحقني:
هل الغباء مرض؟
أم عرض لمرض آخر؟
أم حالة متقدمة من الحماقة؟
أم خلل عارض يصيب القدرة على الحكم على الذات و الأشياء؟
ربما لا أملك جوابًا قاطعًا.
لكنني أعرف أن الجهل والغباء ليسا شيئًا واحدًا. فالجهل ظرف بينما الغباء مرض
فالجاهل يستطيع أن يتعلم، أما الغبي المغرور مريض بالزهان العقلي، وغالبًا ما يكون مقتنعًا أنه الأستاذ الذي ينبغي أن يتعلم منه الآخرون.

الجهل فراغ يمكن ملؤه بالمعرفة،
أما الغباء فامتلاء زائف يمنع صاحبه من استقبال أي معرفة جديدة.
الجاهل يسأل لأنه لا يعرف،
أما الغبي فلا يسأل لأنه يظن أنه يعرف.
ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

ليست المعضلة أن يخطئ الإنسان، فالخطأ جزء من الطبيعة البشرية.
المعضلة أن يتحول الخطأ إلى إقامة دائمة، وأن يصبح الاعتراف به أصعب من ارتكابه. فالمسافة بين الحكمة والغباء ليست المعرفة،
بل القدرة على التراجع خطوة واحدة عندما يكتشف الإنسان أنه يسير في الاتجاه الخطأ.

ثمة بشر يبدلون آراءهم كل صباح لأنهم بلا مبادئ،

وثمة بشر لا يبدلون آراءهم أبدًا لأنهم بلا عقل.
أما العقلاء فيفعلون الأمر الأصعب وهو:- يتمسكون بالمبادئ
ويعيدون النظر في المواقف.
يحافظون على البوصلة،
لكنهم لا يقدسون الطريق.
[الاغبياء وحدهم لديهم مهاره فريده في ان يقولوا نفس الكلمات ،ويفعلون نفس الافعال، وينتظرون- بابتسامه بلهاء- تحقيق نتيجه مختلفه!]

الغباء ليس لونا واحدا ،فهو عنابر متعدده و <عنبر الخطرين> يسكنه حكماء العبره
من يسترون عوراتهم بثياب الحكمة.
فلا يفرقون بين المبدأ والموقف،
ولا بين القيمة والوسيلة،
ولا بين الحقيقة واوهامهم الخاصة عنها.
فيتحول كل رأي يسمعه بأذنه لرأيه،
ويتكلس في عقله ،لعقيدة، وتتحول في فهمه المعتقل مراجعته إلى خيانة، ويصبح الاعتراف بالخطأ عنده أقرب إلى الاعتراف بالهزيمة.والهزيمه في عنبر الخطرين انتحار!

في عنبر الاغبياء،< الأقل خطوره>
يتعاملون مع أفكارهم ومعتقداتهم ،كما يتعامل أصحاب المتاحف مع القطع الأثرية.
يضعونها خلف الزجاج، ويمنعون الاقتراب منها،
ويضعون لافتات تقول ممنوع الاقتراب او التصوير او التطوير، ويعتبرون مجرد مناقشتها عدوانًا عليهم.

تمر السنوات وتتغير الوقائع وتسقط المسلمات القديمة وتظهر حقائق جديدة، بينما تبقى أفكارهم في مكانها، لا لأنها صحيحة، بل لأنها ممنوعة من الحركة.
مشكله هذا الصنف الاقل خطوره في درجات الغباء انه لم يقرا التاريخ واذا قرا لم يفهم واذا فهم بعض الاشياء انكر على نفسه هذا الحق
لم يقرا هؤلاء حقيقه موقف سعد زغلول مثلا من دستور 1923 الذي وصفه بدستور الاشقياء ثم عاد وتولى الحكم وفقا لهذا الدستور وعندما حاول الملك الاعتداء على هذا الدستور ناضل سعد زغلول دفاعا عنه لم يقرا هؤلاء دلاله تبني مصطفى النحاس باشا ملاك الوطنيه المصريه اتفاقيه 1936 من اجل تحقيق استقلال جزئي لمصر ومن اجل مصر ثم قيامه هو شخصيا بالغاء اتفاقيه 1936 قائلا من اجل مصر وقعت على الاتفاقيه ومن اجل مصر الغيها.

ليست المشكلة أن يتمسك الإنسان برأي، بل أن يتحول الرأي إلى صنم.
وأن يصبح الدفاع عنه أهم من البحث عن صحته.
وأن يصبح الانتصار له أهم من الانتصار للحقيقة. عندها يتحول العقل من وسيلة للاكتشاف إلى أداة للحراسة،
ومن نافذة على العالم
إلى جدار يعزل صاحبه عنه.

أخطر ما يفعله الغباء بصاحبه أنه يمنحه شعورًا دائمًا بالاكتفاء. فكلما ازداد الإنسان معرفة اتسعت أمامه مساحة المجهول،

أما الغبي فيحدث له العكس تمامًا.
كلما قلت معرفته ازداد يقينه.
وكلما ضاقت رؤيته اتسعت ثقته بنفسه.
وكلما ابتعد عن الحقيقة ازداد اقتناعًا بأنه يحتكرها ويختزنها تحت سريره.

اقول دائما لابنائي وزملائي في الصحافه قبل المحاماه

منذ سنوات ليست بالبعيده ،وضعت لافته على صاله الاعداد التلفزيوني والصحفي في قناه الشرق مفادها:-
** لا يقلقني الخطأ بقدر ما يقلقني اليقين المطلق بالصواب.**

فالإنسان الذي يشك أحيانًا في رأيه ما زال يملك فرصة للنجاة،
أما الإنسان الذي لا يشك- إلا في الاخرين- ينتحر بأغلاق باب هواء المراجعة على نفسه.

الحقيقة كائن حي. تتحرك وتتسع وتكشف كل يوم جانبًا جديدًا من نفسها.
أما الغباء فيعشق الحقائق الميتة،
والأجوبة الجاهزة،
والقوالب المغلقة،
والعالم البسيط الذي لا يحتاج إلى تفكير.
ولذلك يبدو مولعًا باليقين،
مع أن اليقين في كثير من الأحيان ليس علامة قوة، بل علامة كسل ذهني وبلاده.

بعض الناس يضاعفون جهدهم بعد أن ينسوا هدفهم.
فيواصلون السير في الاتجاه الخطأ بسرعة أكبر، ثم يتصورون أن زيادة السرعة تعوض خطأ الاتجاه.
والحقيقة أن الذين يركضون نحو الهاوية أسرع من غيرهم لا يصلون إلى النجاة أولًا، بل يصلون إلى الهاوية أولًا.

ليست كل حركة تقدمًا، وليست كل صلابة قوة، وليست كل قدرة على التمسك بالموقف فضيلة. فهناك من يتمسك بموقفه لأن الحقيقة ما زالت تؤيده، وهناك من يتمسك به لأن غروره لم يعد يسمح له بالتراجع. والفرق بين الحالتين هو الفرق بين الحكمة والغباء.

الغبي وحده لا يفهم أنه ليست كل مراجعة خيانة.
بل إن بعض المراجعات أعلى درجات الوفاء. وفاء للحقيقة، ووفاء للعقل، ووفاء للواقع. أما الذين يقدسون المواقف أكثر من الحقائق فينتهون غالبًا إلى الدفاع عن أخطائهم بدل الدفاع عن مبادئهم.

أكثر العقول فقرًا ليست تلك التي لا تعرف، بل تلك التي تعتقد أنها لم تعد بحاجة إلى أن تعرف. وأكثر الناس بعدًا عن الحقيقة ليسوا الذين أخطأوا في الوصول إليها، بل الذين أقنعوا أنفسهم أنهم وصلوا إليها نهائيًا.

الغريب أن كثيرًا من الناس يدعون الله أن يثبتهم.
والدعاء جميل ونبيل،

لكن السؤال الذي لا يسألونه لأنفسهم: يثبتهم على ماذا؟
فالثبات على العدل فضيلة، والثبات على الحرية فضيلة، والثبات على الكرامة فضيلة.
أما الثبات على وهم فقدت أسبابه، وسقطت مبرراته ،وانكشفت نتائجه، فليس حكمة ولا بطولة.
إنه مجرد غباء عاري العوره ومحض ادعاء يرتدي ثياب المبدأ.

هناك فرق بين الوفاء للفكرة والعداء للحقيقة.
الاغبياء وحدهم
يخلطون بين الأمرين.
يتمسكون بفكرة قديمة بعدما تتغير الظروف وتتبدل الوقائع وتتراكم الأدلة على خطئها،

ثم يسمون ذلك ثباتًا.
والحقيقة أن الأفكار التي لا تتطور تتحول إلى سجون،
والعقول التي لا تراجع نفسها تتحول إلى متاحف خربه.

الغبي لا يحب الحقيقة بقدر ما يحب امتلاكها.

ولا يبحث عن الصواب بقدر ما يبحث عن إثبات أنه كان على صواب.

ولذلك تتحول المناقشة معه من رحلة للبحث
إلى معركة للدفاع عن الذات.
ويصبح الحوار مستحيلًا,
لأن الحوار يفترض احتمال الخطأ،
أما الغبي فيبدأ من يقين كامل بأنه على حق وأن الآخرين موجودون فقط، لاكتشاف هذه الحقيقة متأخرين.
وهي جمله ماثوره يكررها كل الاغبياء:-
( الم اقل لكم هذا؟)

لا يشترط في الغبي أن يكون ضعيف التعليم أو محدود الثقافة أو ركيك اللغة. قد يكون أنيقًا احيانا
اومشهورًا وصاحب منابر وجمهور. لكن العلامة الفارقة تبقى واحدة:
عجزه عن مراجعة نفسه.
فالعقل الحقيقي لا يقاس بعدد ما يعرف، بل بقدرته على إعادة النظر فيما يعرف.

لهذا لا أخشى على المجتمعات من الجهل بقدر ما أخشى عليها من الغباء المصحوب بالسلطة أو المنبر أو الجمهور.
فالجهل يمكن علاجه بالتعليم،
أما الغباء حين يمتلك ادوات فإنه يبدأ في تعليم الآخرين كيف يكرهون المراجعة ويقدسون الخطأ ويعاملون الوهم باعتباره حقيقة.

لم أبدأ هذا الكتاب بحثًا عن الأغبياء، فهم أكثر من أن يُحصوا، وأقدم من أن يُؤرخوا، وأوسع من أن تُرسم لهم حدود. بدأت هذه الرحلة بحثًا عن ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين الحكمة والعناد، وبين الثبات والجمود، وبين المبدأ والموقف، وبين العقل الذي يبحث عن الحقيقة والعقل الذي يتصور أنه امتلكها.

وربما كان التعريف الأقرب للغباء بعد رحلة طويلة من التأمل والتجربة هو أنه اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن التعلم لأنه توهم أنه وصل لمنهي العلم او المجد او الذكاء.

أما الحقيقة نفسها، فما زالت تقف هناك في الأفق البعيد، تبتسم في هدوء لكل الذين يعرفون أن الطريق إليها يبدأ دائمًا بسؤال، ولا ينتهي أبدًا بيقين مطلق.

ولأن الغباء لا يعترف بنفسه، فإنه نادرًا ما يأتي إلى الدنيا معلنًا عن هويته. لا يحمل بطاقة تعريف، ولا يضع لافتة فوق رأسه، ولا يقدم نفسه باعتباره غبيًا. بل يحدث العكس تمامًا. فكلما اشتدت الإصابة ازداد اقتناع صاحبها بأنه الأكثر حكمة، والأكثر بعد نظر، والأقدر على فهم ما عجز الآخرون عن فهمه.

وربما لهذا السبب كانت العلاقة بين الغباء والغرور علاقة قديمة ومستقرة. فالغرور يمنح الغباء ما يحتاجه من وقود، والغباء يمنح الغرور ما يحتاجه من أوهام. وكل منهما يغذي الآخر حتى يصبح الإنسان أسير دائرة مغلقة لا يسمع فيها إلا صدى صوته، ولا يرى إلا انعكاس صورته.

تأملت طويلًا في الشخصيات التي مرت عليّ خلال سنوات العمر. شخصيات اختلفت مواقعها وأفكارها وخلفياتها، لكنها اشتركت في شيء واحد؛ اعتقادها الدائم أنها لا تحتاج إلى مراجعة نفسها. كانت تتعامل مع النقد باعتباره مؤامرة، ومع النصيحة باعتبارها تطاولًا، ومع الرأي الآخر باعتباره جريمة تستحق العقاب.

الغريب أن بعض هؤلاء لم يكونوا قليلي الذكاء بالمعنى التقليدي. بعضهم امتلك ذاكرة قوية، أو قدرة خطابية لافتة، أو سرعة بديهة، أو مهارات تنظيمية لا يستهان بها. لكن الذكاء وحده لا يحمي صاحبه من الغباء. فالعقل الذي لا يراجع نفسه قد يتحول إلى أداة أكثر كفاءة في إنتاج الأخطاء والدفاع عنها.

هناك أشخاص يملكون موهبة نادرة في العثور على الحجج التي تبرر لهم ما يريدون تصديقه. لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن الأدلة التي تخدم النتيجة التي قرروها مسبقًا. وحين تتحول النتيجة إلى عقيدة، تصبح الوقائع مجرد مواد خام يعاد تشكيلها لخدمة تلك العقيدة.

عند هذه النقطة يتوقف التفكير ويبدأ التبرير.
ويتوقف البحث ويبدأ الدفاع.
ويتوقف العقل ويبدأ الهوى.

ومن هنا أيضًا تبدأ إحدى أخطر صور الغباء؛ أن يصبح الإنسان محاميًا دائمًا عن نفسه، وقاضيًا دائمًا لصالح نفسه، وشاهدًا وحيدًا في القضية نفسها.

الحياة أكثر تعقيدًا من أن تختصرها فكرة واحدة، والسياسة أكثر تعقيدًا من أن تفسرها نظرية واحدة، والبشر أكثر تعقيدًا من أن يحاكموا بمعيار واحد. لكن الغبي يحب التبسيط المفرط، لأنه يوفر عليه مشقة التفكير.

العالم عنده أبيض أو أسود.
الناس عنده ملائكة أو شياطين.
الأحداث عنده مؤامرة كاملة أو براءة كاملة.
والحقائق عنده نهائية لا تحتاج إلى مراجعة.
ولهذا يبدو دائمًا مرتاحًا.
فالتفكير المتعب تركه لغيره.

أما العقلاء فيدفعون ثمنًا مختلفًا.
يدفعون ثمن الشك.
وثمن السؤال.
وثمن المراجعة.
وثمن الاعتراف بأن الصورة قد تكون أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه.

ذات مرة تأملت الفارق بين الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة، والإنسان الذي يبحث عن الانتصار.
الأول قد يخسر مناظرة ويكسب فكرة.
أما الثاني فقد يكسب المناظرة ويخسر الحقيقة.
الأول يفرح حين يكتشف خطأه لأنه اقترب خطوة من الصواب.
أما الثاني فيعتبر اكتشاف الخطأ فضيحة يجب إخفاؤها لا فرصة يجب الاستفادة منها.

ولهذا فإن بعض الناس لا يتعلمون من تجاربهم.
ليس لأن التجارب لم تعلمهم شيئًا.
بل لأنهم رفضوا الإنصات إلى ما تعلمهم إياه.
فالخبرة لا تأتي من مرور السنوات، وإنما من القدرة على التأمل فيها.
وقد يعيش إنسان سبعين عامًا دون أن يضيف إلى عقله يومًا واحدًا من الحكمة.

أكثر ما يخيفني في الغباء السياسي أنه لا يكتفي بإيذاء صاحبه.
الإنسان الغبي في حياته الخاصة قد يدمر مستقبله أو علاقاته أو مصالحه.
أما الغبي حين يمتلك نفوذًا أو منصة أو تأثيرًا، فإنه يوزع أخطاءه على الآخرين.
ويحول أوهامه إلى قرارات.
ويقنع آلافًا أو ملايين أن يسيروا معه في الاتجاه الخطأ.

ولهذا فإن المجتمعات التي تشجع المراجعة أقل عرضة للكوارث من المجتمعات التي تقدس العصمة.
والمؤسسات التي تسمح بالنقد أقل عرضة للأخطاء من المؤسسات التي تعتبر النقد تمردًا.
والأمم التي تتعلم من تجاربها أقل عرضة للهزائم من الأمم التي تكرر أخطاءها ثم تطالب التاريخ بالاعتذار لها.

ثمة عبارة ظلت ترافقني طويلًا: ليست المشكلة أن يسقط الإنسان، بل أن يسقط في المكان نفسه مرات متتالية ثم يصر على أن الطريق آمن.
فالعاقل قد يتعثر.
وقد يخطئ.
وقد يسيء التقدير.
لكن الخطأ عنده تجربة.
أما عند الغبي فهو عقيدة قابلة للتكرار.

ولهذا لا أستطيع أن أتعاطف كثيرًا مع أولئك الذين يفعلون الشيء نفسه عشرات المرات، ويكررون الخطاب نفسه، ويرتكبون الأخطاء نفسها، ثم ينتظرون نتائج مختلفة.
فالتاريخ لا يجامل أحدًا.
والواقع لا يتأثر بالهتاف.
والحقائق لا تغير طبيعتها إرضاءً لأحد.

ربما كانت هذه هي النقطة التي يبدأ عندها التعافي من الغباء.
أن يكتشف الإنسان أنه ليس معصومًا.
أن يدرك أن رأيه ليس قرآنًا.
أن يفهم أن الحقيقة أكبر منه.
وأن العالم لا يدور حول قناعاته الشخصية.

حين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة يبدأ التعلم الحقيقي.
ويبدأ العقل الحقيقي.
وتبدأ الحكمة الحقيقية.
أما قبل ذلك فكل ما يملكه ليس أكثر من يقين مؤقت، قد يبدو له حكمة، بينما يراه الآخرون شكلًا أنيقًا من أشكال الغباء.

لهذا كله لم أبدأ هذه السلسلة( الكتاب )بحثًا عن الأغبياء بقدر ما بدأتها بحثًا عن تلك اللحظة الدقيقة التي يتوقف فيها العقل عن التعلم، ويتحول فيها الرأي إلى صنم، ويتحول فيها الثبات إلى جمود، ويتحول فيها الإخلاص للفكرة إلى عداوة للحقيقة.

تلك اللحظة هي بداية الغباء.
وهي أيضًا بداية كثير من المآسي التي عرفتها السياسة، وعرفها الإعلام، وعرفها التاريخ، وعرفها البشر في حياتهم الخاصة والعامة.

ومن هنا تبدأ رحلتنا.
فإذا كان الغباء مرضًا، فسنحاول تشخيصه.
وإذا كان وباءً، فسنحاول تتبع طرق انتشاره.
وإذا كان سلوكًا بشريًا، فسنحاول فهمه.
أما إذا كان مزيجًا من كل ذلك، فربما يكون هذا الكتاب محاولة متأخرة للدفاع عن العقل في زمن يزداد فيه عدد الذين يظنون أنهم امتلكوا الحقيقة، بينما لم يبدأوا بعد رحلة البحث عنها.

في هذا الكتاب سنقترب أكثر من أول أعداء العقل وأقرب خصوم الحرية:
(فالغبي…
عدو المراجعة ونفسه والعقل والحرية.)

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى