تحركات أمريكية وفرنسية في طرابلس وسط جدل المبادرات الجهوية في ليبيا

شهدت ليبيا خلال الأيام الأخيرة تحركات دبلوماسية وعسكرية أمريكية وفرنسية متزامنة في طرابلس، بالتوازي مع دخول مخرجات الحوار المهيكل مرحلة التنفيذ العملي، وتصاعد الجدل الداخلي بشأن مبادرات جهوية ومطالب تتعلق بإعادة توزيع التمثيل السياسي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه الأطراف الدولية تحركاتها لدعم مسار الاستقرار في ليبيا، والدفع نحو إجراء الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية الممتدة، وسط تحديات داخلية ترتبط بالانقسام السياسي والمؤسساتي وتزايد مطالب التمثيل المناطقي.
حضور فرنسي في طرابلس
وصلت سفينة دعم غواصي إزالة الألغام الفرنسية «بلوتون» إلى العاصمة طرابلس، ضمن برامج التعاون العسكري بين ليبيا وفرنسا.
وأجرى رئيس الأركان العامة المكلف الفريق أول صلاح الدين النمروش جولة داخل قاعدة طرابلس البحرية، التقى خلالها السفير الفرنسي لدى ليبيا تيري بالا وقائد السفينة الفرنسية، بحضور قيادات من القوات البحرية الليبية والملحق العسكري الفرنسي.
وبحث الجانبان برامج التدريب والتأهيل وتبادل الخبرات، إضافة إلى المشاريع الفنية المشتركة الرامية إلى دعم قدرات القوات البحرية الليبية.
واطلع النمروش على الأنشطة التخصصية التي ينفذها مركز أبحاث تحت الماء في مجال العمليات البحرية، ضمن مسار التعاون البحري بين طرابلس وباريس.
ويأتي هذا التعاون في ظل استمرار الاهتمام الأوروبي بالملف الليبي، خاصة في ما يتعلق بأمن المتوسط، ومكافحة الهجرة غير النظامية، وتأمين السواحل الليبية.
اتصالات أمريكية مع المؤسسات الليبية
بالتوازي مع الحضور الفرنسي، كثفت الولايات المتحدة اتصالاتها مع المؤسسات الليبية، حيث بحث رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة مع القائم بأعمال السفارة الأمريكية لدى ليبيا جيريمي برنت ملفات التعاون الاقتصادي والتنمية، وتعزيز الشراكة في قطاعات الطاقة والنفط والاتصالات.
وأكد الدبيبة أهمية البرنامج التنموي الموحد الذي تتولى وزارة الخزانة الأمريكية دعمه فنيًا، باعتباره آلية لتعزيز الشفافية والانضباط المالي وضمان توزيع المشروعات التنموية بين مختلف المناطق.
كما التقى برنت المكلف بتسيير شؤون وزارة الخارجية والتعاون الدولي الطاهر الباعور، حيث بحث الجانبان العلاقات الثنائية وتطورات الأوضاع السياسية في ليبيا، وأهمية دعم العملية السياسية والتوافق الوطني وصولًا إلى إجراء الانتخابات.
وشملت لقاءات المسؤول الأمريكي أيضًا النائب العام الصديق الصور، حيث جرى بحث التعاون بين البلدين في مجال إنفاذ القانون، مع تأكيد استمرار التنسيق بين المؤسسات المختصة في الجانبين.
مبادرات جهوية تثير الجدل
تزامنت التحركات الدولية مع تحديات داخلية جديدة، بعد الجدل الذي أثاره إعلان «إقليم المنطقة الوسطى»، الذي ضم تسع بلديات بينها مصراتة وزليتن والخمس وترهونة وبني وليد.
وقوبل الإعلان برفض واسع في عدد من المدن المشمولة، إذ شهدت ترهونة وبني وليد احتجاجات وإغلاقًا لمقري المجلسين البلديين.
كما حذر المجلس الاجتماعي لقبائل ورفلة من مخاطر تقسيم البلاد، فيما أكد المجلس الاجتماعي لقبائل ترهونة رفض أي ترتيبات من شأنها المساس بوحدة ليبيا.
ويأتي الجدل بشأن «إقليم المنطقة الوسطى» في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي، ما دفع بعض الأصوات إلى اعتبار هذه المبادرات امتدادًا لمنطق المحاصصة الذي طبع المشهد الليبي منذ عام 2012.
تحركات في الجنوب ومطالب أمازيغية
لم تقتصر التحركات على المنطقة الوسطى، إذ أعلن عدد من الشخصيات والأكاديميين من الجنوب تأسيس «التجمع السياسي الوطني فزان»، مؤكدين أن المبادرة لا تحمل توجهات انفصالية، بل تهدف إلى معالجة اختلالات تنموية وسياسية يعاني منها الجنوب منذ عقود.
كما برزت مطالب جديدة تتعلق بتمثيل المكون الأمازيغي، إذ دعا السفير الليبي السابق لدى السويد إبراهيم موسى جرادة إلى منح الأمازيغ تمثيلًا أوسع داخل السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية والتشريعية.
واعتبر جرادة أن هذا التمثيل يمثل استحقاقًا عادلًا ينسجم مع الوزن الديمغرافي للمكون الأمازيغي داخل ليبيا.
الحوار المهيكل يدخل مرحلة التنفيذ
تزامنت هذه التطورات مع نشر البعثة الأممية التقرير النهائي للحوار المهيكل، الذي أوصى بإنهاء الانقسام السياسي والمؤسساتي، ووضع سقف زمني واضح للمرحلة الانتقالية، واعتماد مقاربة متدرجة للإصلاح السياسي والمؤسساتي تمهد للوصول إلى الانتخابات.
وكانت البعثة الأممية قد أطلقت الحوار المهيكل بمشاركة شخصيات سياسية وأكاديمية وممثلين عن مكونات اجتماعية مختلفة، بهدف صياغة مقترحات تساعد على تجاوز حالة الجمود السياسي.
وجاء ذلك بالتوازي مع مسار لجنة «4+4» التي تواصل اجتماعاتها لمناقشة الأطر القانونية والدستورية اللازمة للاستحقاق الانتخابي.
تحفظات على المخرجات النهائية
لم يخل التقرير النهائي للحوار من تحفظات، إذ أعلن عدد من المشاركين اعتراضهم على بعض الصياغات الواردة فيه، معتبرين أن مقترحات حظيت بتوافق خلال المناقشات لم تنعكس بصورة كاملة في المخرجات النهائية.
كما حذروا من إعادة إنتاج المراحل الانتقالية، وتوسيع صلاحيات الحكومة المؤقتة في بعض الملفات الحساسة.
ويرى مراقبون أن تزامن الدعم الدولي مع بروز مطالب جهوية ومناطقية يضع العملية السياسية أمام اختبار جديد، خاصة أن نجاح أي تسوية مستقبلية يبقى مرتبطًا بقدرة الأطراف الليبية على التوصل إلى صيغة توافقية تحد من الانقسامات.
اختبار جديد للاستقرار في ليبيا
تسعى الأمم المتحدة وشركاء ليبيا الدوليون إلى الدفع نحو مرحلة سياسية جديدة تنهي الانقسام وتفتح الطريق أمام الانتخابات، لكن تصاعد المطالب الجهوية والمناطقية يفرض تحديًا إضافيًا على المسار السياسي.
وتبقى قدرة الفاعلين المحليين على احتواء الخلافات الداخلية عاملًا حاسمًا في تحديد فرص نجاح الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات وإنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة منذ سنوات.



