ملفات وتقارير

مدحت الزاهد يعلن رفض بيع أصول الدولة: «لم أفوّض أحدًا» تتحول إلى صيغة احتجاج ضد التصرف في الملكية العامة

عاد ملف بيع أصول الدولة المصرية إلى واجهة الجدل السياسي والاقتصادي، بعد موقف لافت أعلنه السياسي المصري مدحت الزاهد، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، قال فيه إنه لم يفوض أحدًا، أيا كان، لبيع حصته في الملكية العامة، معتبرًا أن ما وصفه بـ«الأوكازيون المقام على أصول مصر» أقرب إلى «التجارة في المسروقات» منه إلى البيوع القانونية السليمة.

في منشور على الفيس بوك بعنوان: مدحت الزاهد: لم أفوّض أحدًا لبيع حصتي في ملكية مصر العامة، وربطه بسياق قرارات حكومية تتعلق بتخصيص أراضٍ وأصول لصالح وزارة المالية لاستخدامها في خفض الدين العام وإصدار الصكوك السيادية.

وجاءت كلمات الزاهد حادة ومباشرة، إذ قال في نص منشوره: «أعلن أنا المواطن المصري مدحت الزاهد أنني لم أفوض أحدًا أيا كان لبيع حصتي في الملكية العامة»، مضيفًا أن هذه البيوع، من وجهة نظره، «باطلة وفقًا لكل القوانين المحلية والدولية»، وأنه لا علاقة له بالديون التي يدفع المواطنون ثمنها من «لحمهم الحي ولحم أبنائهم»، باعتبارها — حسب تعبيره — نتاج قرارات وسياسات خاطئة.

خلفية القرار الذي فجّر الجدل

جاء موقف الزاهد في سياق الجدل حول تخصيص مساحات واسعة من الأراضي المملوكة للدولة بمحافظة البحر الأحمر لصالح وزارة المالية، لاستخدامها في خفض الدين العام وإصدار الصكوك السيادية. وقد رصدت صحف مصرية وعربية هذا الملف باعتباره واحدًا من أكثر القرارات حساسية، لأنه ينقل النقاش من حدود السياسة الاقتصادية التقليدية إلى سؤال أعمق: هل يجوز استخدام أصول وأراضٍ عامة لمعالجة أزمة الدين؟

وفي يونيو 2025، نشرت تقارير صحفية أن القرار شمل تخصيص أكثر من 41 ألف فدان بالبحر الأحمر لصالح وزارة المالية، وهو ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذه الأراضي، ومصيرها، وحدود استخدامها في خفض الدين العام. كما تناولت صحيفة «الشرق الأوسط» الجدل في تقرير بعنوان: مصر: قرار تخصيص 41 ألف فدان بالبحر الأحمر لـ«خفض الدين» يثير تساؤلات.

وتجددت حساسية الملف مرة أخرى مع نشر قرارات أحدث تتعلق بتخصيص أراضٍ بالبحر الأحمر لإصدار الصكوك السيادية، ومنها ما نشره موقع «مصراوي» في 10 يونيو 2026 حول تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على تخصيص 26.6 ألف فدان بمحافظة البحر الأحمر لصالح وزارة المالية في إطار دعم آليات إصدار الصكوك السيادية، وهو ما يؤكد أن ملف استخدام الأراضي والأصول في أدوات الدين ما زال حاضرًا ومفتوحًا. رابط الخبر: السيسي يصدق على تخصيص 26.6 ألف فدان بالبحر الأحمر لإصدار الصكوك السيادية.

من الاقتصاد إلى السياسة: «البيع بلا توكيل»

أهمية موقف مدحت الزاهد لا تكمن فقط في اعتراضه على بيع أو تخصيص أصول الدولة، بل في الصياغة التي اختارها. فهو لم يناقش الملف بلغة الأرقام فقط، وإنما نقله إلى مستوى «حق المواطن في الملكية العامة».

عبارة «لم أفوض أحدًا» اختصرت فكرة سياسية وقانونية شديدة الحساسية: الحكومة، في نظر أصحاب هذا الاتجاه، تدير الملكية العامة لكنها لا تملك وحدها حق التصرف المطلق فيها، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بأراضٍ وأصول تكونت عبر عقود من أموال وضرائب وتضحيات المصريين.

ومن هنا جاءت عبارة «البيع بلا توكيل» كصيغة احتجاجية قابلة للانتشار، لأنها تحول القضية من نقاش اقتصادي معقد حول الديون والصكوك والطروحات إلى سؤال بسيط ومباشر: من منح السلطة حق بيع ما يخص عموم المواطنين؟

ردود الفعل على فيسبوك

على فيسبوك، لم يبقَ موقف الزاهد محصورًا في موقع صحفي، بل جرى تداوله على حسابات وصفحات عامة. ومن أبرز الروابط التي ظهرت في البحث إعادة نشر النص أو التفاعل معه عبر حساب الكاتب والباحث عمار علي حسن، حيث ظهر نص الزاهد بصيغة قريبة من المنشور الأصلي، بما يعكس انتقاله داخل دوائر المثقفين والمتابعين للشأن العام. رابط الحساب: عمار علي حسن على فيسبوك.

كما ظهر التفاعل في مساحة أخرى أكثر دلالة، وهي التعليقات على منشورات رسمية أو شبه رسمية تتناول قرارات تخصيص الأراضي. فقد علق بعض المستخدمين بصيغ قريبة من «لم أفوض أحدًا» و«لا لبيع أصول مصر» و«مصر مش للبيع» على منشورات مرتبطة بالقرار، وهو ما يشير إلى أن الاعتراض لم يبقَ مجرد موقف حزبي أو نخبوي، بل تحول إلى لغة احتجاج يستخدمها مواطنون في مواجهة الخطاب الرسمي. ومن الروابط المرتبطة بهذا السياق منشور صفحة مجلس الوزراء المصري حول تخصيص الأرض وخفض المديونية: منشور مجلس الوزراء المصري على فيسبوك.

هذه التفاعلات مهمة لأنها تكشف أن القضية لم تعد تُطرح فقط من زاوية «هل القرار قانوني؟»، بل من زاوية «هل المجتمع حاضر في قرار بيع أو رهن أو تخصيص أصوله؟».

صيغة احتجاج قابلة للتكرار

من اللافت أن عبارة «لم أفوض أحدًا» لم تظهر فقط في منشور مدحت الزاهد، بل تكررت بصيغ مختلفة عند نشطاء ومواطنين في سياقات قريبة من رفض بيع الأصول أو التصرف في الملكية العامة. وهذا التكرار يمنح العبارة طابع الشعار السياسي، لا مجرد جملة فردية.

بعض المنشورات على منصة X استخدمت الصيغة نفسها أو صيغة قريبة منها في سياق الاعتراض على بيع الأصول العامة، ومنها منشورات سابقة ليحيى حسين عبد الهادي وآخرين. ورغم أن بعضها ليس ردًا مباشرًا على منشور الزاهد، فإنه يساعد في فهم كيف تحولت العبارة إلى قالب احتجاجي عام. ومن أمثلة ذلك: منشور على X بصيغة لم أفوض أحدًا، ومنشور آخر على X بصيغة قريبة.

الرواية الرسمية: خفض الدين وإصدار الصكوك

في المقابل، تقدم الدولة هذه الإجراءات من زاوية مختلفة تمامًا. فالخطاب الرسمي يتحدث عن استخدام بعض الأراضي والأصول في دعم الاستدامة المالية، وخفض الدين العام، وتوفير أدوات تمويل قانونية مثل الصكوك السيادية.

وفق هذا المنطق، فإن تخصيص الأرض لا يعني بالضرورة بيعها بشكل مباشر أو التفريط فيها، بل قد يكون جزءًا من هيكلة مالية تستهدف تحسين قدرة الدولة على إدارة الدين، وتوفير موارد تمويلية، وتقليل الضغوط على الموازنة العامة.

لكن المشكلة السياسية التي يطرحها المعارضون لا تتوقف عند الصيغة القانونية للقرار، بل تتعلق بالثقة والشفافية. فحتى إذا كان الإجراء قانونيًا من وجهة نظر الدولة، فإن السؤال يظل قائمًا: هل تمت مناقشة المجتمع في هذه الخيارات؟ وهل عُرضت بدائل أخرى لمعالجة الدين؟ وهل يعرف المواطن القيمة الحقيقية للأصول التي يجري تخصيصها أو استخدامها في أدوات مالية؟

المعارضة: المواطن لا يدفع ثمن قرارات لم يصنعها

من زاوية المعارضة، لا يمكن فصل هذه القرارات عن الأزمة الاقتصادية الأوسع: ارتفاع الديون، نقص العملة الصعبة، الضغوط على الموازنة، وتراجع مستوى معيشة المواطنين. لذلك يرى أصحاب هذا الاتجاه أن بيع أو تخصيص الأصول العامة لا يمثل حلًا حقيقيًا، بل قد يكون محاولة لتغطية نتائج سياسات اقتصادية خاطئة عبر تحميل المجتمع والأجيال القادمة ثمنها.

وهذا ما عبّر عنه الزاهد بوضوح عندما قال إن هذه الديون «لا علاقة له بها»، وإنها نتاج قرارات وأفكار وسياسات خاطئة. المعنى السياسي هنا أن المواطن لا يرفض فقط بيع الأصل، بل يرفض أيضًا أن يتحمل وحده فاتورة الديون بينما تغيب المحاسبة عن أسباب تراكمها.

هاشتاجات تعيد صياغة الغضب

ترافق المنشور مع هاشتاجات مثل:

#لا_لبيع_أصول_مصر
#مصر_مش_للبيع

وهذه الهاشتاجات ليست مجرد أدوات تواصل، بل تحمل معنى سياسيًا واضحًا. فهي تربط بين أصول الدولة وفكرة السيادة، وتتعامل مع الأرض والشركات والمرافق العامة باعتبارها ملكًا جماعيًا لا يجوز التصرف فيه كأنه أصل مالي عادي.

في هذا السياق، يصبح شعار «مصر مش للبيع» أكثر من مجرد رفض لصفقة بعينها؛ إنه تعبير عن فقدان الثقة في طريقة إدارة ملف الأصول، وعن خوف من أن تتحول أزمة الديون إلى باب دائم للتفريط في ممتلكات عامة.

البعد القانوني: بين الشعار والحكم القضائي

رغم قوة عبارة الزاهد التي تصف البيوع بأنها «باطلة»، فإن التعامل الصحفي الدقيق يقتضي عرض هذه العبارة باعتبارها موقفًا سياسيًا واعتراضًا قانونيًا من صاحبها، لا حكمًا قضائيًا نهائيًا.

فإثبات بطلان أي تصرف في أراضي أو أصول الدولة يحتاج إلى طعن قانوني، ومستندات، ونظر قضائي، وفحص لطبيعة الملكية، والجهة المختصة بالتصرف، والإجراءات التي اتُبعت، ومدى الالتزام بالدستور والقوانين المنظمة للمال العام والصكوك السيادية.

لكن حتى مع هذا التحفظ، تبقى قيمة المنشور في أنه يفتح بابًا للنقاش العام حول حدود السلطة في التصرف في الأصول العامة، وحول حق المواطنين في المعرفة والمشاركة والرقابة.

لماذا أثار المنشور اهتمامًا؟

أثار منشور الزاهد اهتمامًا لأنه جمع بين ثلاثة عناصر:

الأول: توقيت حساس، مع استمرار الحديث عن الديون والصكوك والطروحات.

الثاني: صياغة شعبية مباشرة، تجعل المواطن طرفًا أصيلًا في القضية.

الثالث: ربط بيع الأصول بالمسؤولية السياسية عن الديون، لا بمجرد الحاجة إلى التمويل.

ولهذا تحولت الجملة الأساسية «لم أفوض أحدًا» إلى مفتاح لفهم الاعتراض. فهي تقول إن الأزمة ليست فقط في بيع الأصل، بل في غياب التفويض الشعبي والشفافية والمحاسبة.

الخلاصة

يفتح موقف مدحت الزاهد ملفًا أكبر من مجرد قرار تخصيص أرض أو بيع أصل. إنه يطرح سؤالًا جوهريًا حول العلاقة بين الدولة والمواطن والملكية العامة: هل تملك الحكومة وحدها حق التصرف في أصول الدولة؟ أم أن هذه الأصول، بحكم كونها ملكًا عامًا، تحتاج إلى مستوى أعلى من الشفافية والرقابة والمشاركة؟

وبين الرواية الرسمية التي تتحدث عن خفض الدين وإصدار الصكوك وتعظيم قيمة الأصول، والرواية المعارضة التي ترى في الأمر تفريطًا في ممتلكات المصريين، يبقى ملف أصول الدولة واحدًا من أكثر الملفات حساسية في مصر، لأنه لا يتعلق بالاقتصاد وحده، بل بالسيادة والعدالة وحق الأجيال المقبلة.

ومع استمرار تداول عبارات مثل «البيع بلا توكيل» و«مصر مش للبيع»، يبدو أن الجدل حول أصول الدولة لن يتوقف عند قرار بعينه، بل سيظل حاضرًا كلما اتجهت الحكومة إلى استخدام الأراضي أو الشركات أو الممتلكات العامة كأدوات لمعالجة أزمة الدين.

الملاحظات المهمة أثناء النشر: الرابط الأساسي الأقوى هو «درب»، وروابط فيسبوك تُستخدم كـ«رصد تفاعل» لا كمصدر معلومات مؤكد، لأن بعض المنشورات قد تتغير أو لا تظهر إلا بعد تسجيل الدخول. أما رابط «مصراوي 2026» فمفيد جدًا لتأكيد أن الملف متجدد وليس مجرد واقعة قديمة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى