د. أيمن نور يكتب: مصر الممكنة 2030 (14).. عندما انتصر الاسمنت علي الماكينة انهزمت الصناعه المصريه 2/1

صباح كل يوم كانت شاحنات صغيرة تخرج من الأزقة الممتدة بين باب الشعرية والموسكي ومناطق الجلود القديمة، تحمل آلاف الأحذية والمنتجات الجلدية إلى أنحاء مصر. لم تكن تلك الشاحنات تنقل بضائع فحسب، بل كانت تنقل قصة احياء كاملة تعيش من العمل والإنتاج والمهارة. عشرات الآلاف من الأسر كانت تعرف أن لقمة العيش تبدأ من ورشة، وأن مستقبل الأبناء يبدأ من مصنع، وأن قوة الوطن تبدأ من قدرته على أن يصنع ما يستهلكه. اليوم تبدو الصورة مختلفة. ورش أغلقت أبوابها، ومصانع خفضت إنتاجها، وحرفيون تركوا المهنة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. ومن هنا يبدأ السؤال الذي يجب أن يشغل مصر وهي تقترب من عام 2030: كيف تراجعت الصناعة إلى هذا الحد؟ وكيف يمكن استعادتها؟
ترتبط نهضة الأمم دائمًا بقدرتها على الإنتاج. لم تدخل دولة واحدة إلى مصاف الدول الكبرى لأنها استوردت أكثر، أو لأنها بنت مدنًا أكثر، أو لأنها استهلكت أكثر من غيرها. الدول الكبرى تصنع، وتصدر، وتبتكر، وتضيف قيمة إلى الاقتصاد العالمي. ولهذا لم يكن غريبًا أن تبدأ نهضة بريطانيا من المصنع، وأن تبني ألمانيا وحدتها الاقتصادية حول الصناعة، وأن تصعد كوريا الجنوبية من الفقر إلى الازدهار عبر الإنتاج، وأن تتحول الصين إلى مصنع العالم خلال جيلين فقط.
مصر ليست دولة فقيرة في الموارد ولا في البشر ولا في الموقع. لكنها عانت خلال العقود الأخيرة من اختلال واضح في ترتيب الأولويات الاقتصادية. جرى الحديث كثيرًا عن التنمية، لكن نصيب الصناعة من الاهتمام الفعلي لم يكن بحجم الدور الذي يفترض أن تلعبه في بناء اقتصاد قوي ومستدام.
تكشف بيانات البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية أن الدول التي حققت قفزات تنموية حقيقية رفعت مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي والصادرات والتشغيل. أما الاقتصادات التي اعتمدت على الاستهلاك أو العقار أو الموارد الريعية وحدها فقد واجهت في النهاية حدود هذا النموذج وعجزه عن خلق تنمية طويلة المدى.
عرفت مصر الصناعة الحديثة مبكرًا مقارنة بكثير من الدول الصاعدة. امتلكت قاعدة صناعية مهمة في النسيج والغزل والملابس والصناعات الهندسية والغذائية والدوائية. لكن هذه القاعدة تعرضت لتحديات متراكمة، بعضها عالمي، وبعضها محلي، وبعضها ناتج عن اختيارات اقتصادية لم تضع الصناعة في المكانة التي تستحقها.
تشير تقارير اتحاد الصناعات المصرية والغرف الصناعية خلال السنوات الماضية إلى أن آلاف المصانع واجهت درجات متفاوتة من التعثر. بعض المصانع أوقف خطوط إنتاج كاملة، وبعضها خفض العمالة، وبعضها خرج من السوق نهائيًا. لم يكن السبب دائمًا ضعف الإدارة أو رداءة المنتج، بل في كثير من الأحيان ارتفاع تكلفة التمويل والطاقة، وتقلبات سعر الصرف، وصعوبة الحصول على الأراضي الصناعية والخدمات اللوجستية، وتعقيد الإجراءات الإدارية.
لا تتوقف خسارة المصنع عند صاحبه فقط. فكل مصنع يغلق أبوابه يعني فقدان فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتراجع الطلب على الموردين المحليين، وضعف القدرة الإنتاجية الوطنية. ولهذا فإن قضية المصانع المتعثرة ليست قضية أصحاب أعمال فقط، بل قضية اقتصاد وطني كامل.
شهدت مناطق صناعية كبرى مثل العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر وبرج العرب تجارب متباينة. بعضها نجح في جذب استثمارات مهمة، وبعضها واجه موجات من التعثر والتباطؤ. لكن القاسم المشترك بينها جميعًا كان الحاجة إلى رؤية صناعية طويلة المدى تتجاوز إدارة الأزمات اليومية.
تكمن إحدى أكبر المفارقات الاقتصادية في السنوات الأخيرة في أن الدولة والسوق معًا نجحتا في تعبئة مليارات الجنيهات لقطاع التشييد والتطوير العقاري، بينما بقيت الصناعة تبحث عن التمويل اللازم للتوسع والتحديث. لا أحد ينكر أهمية النشاط العقاري، ولا دوره في التشغيل وتحريك الاقتصاد، لكن المشكلة تبدأ عندما يختل التوازن.
ليست القضية في نجاح مشروع عقاري أو شركة بعينها، بل في فلسفة توزيع الموارد. فحين يصبح الاستثمار في الأرض والعقار أكثر جاذبية وأسهل تمويلًا وأسرع عائدًا من الاستثمار في المصنع، فإن رأس المال يتجه بطبيعته إلى المسار الأقل مخاطرة. وهكذا تتراجع الصناعة أمام أنشطة أقل قدرة على خلق قيمة مضافة مستدامة.
خلال السنوات الأخيرة استطاعت مشروعات عقارية ضخمة أن تحصل على تمويلات مصرفية بمليارات الجنيهات خلال فترات قصيرة، بينما واجهت مصانع كثيرة صعوبات كبيرة في الحصول على التمويل اللازم للتحديث أو التوسع. المشكلة ليست في حصول العقار على التمويل، بل في حرمان الصناعة من التمويل الذي تحتاجه للنمو.
انتصر الأسمنت على الماكينة في لحظات كثيرة من المسار الاقتصادي المصري. وجرى توجيه جانب معتبر من المدخرات والسيولة نحو الأصول العقارية، بينما ظلت القطاعات الإنتاجية تبحث عن نصيبها من الاهتمام والتمويل. ومع مرور الوقت أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على البناء من الإنتاج، وأكثر قدرة على البيع المحلي من التصدير الخارجي.
يرتبط هذا الاختلال مباشرة بأزمة الدولار وسعر الصرف. فكل اقتصاد يستورد أكثر مما ينتج يظل معرضًا لضغوط مستمرة على عملته الوطنية. وكلما اتسعت الفجوة بين الواردات والصادرات ازداد الطلب على العملات الأجنبية وازدادت هشاشة الوضع النقدي.
شهد المصريون خلال العقد الأخير موجات متتالية من الضغوط على الجنيه. اختلفت الأسباب المباشرة، لكن العامل الهيكلي ظل ثابتًا: الاقتصاد يحتاج إلى عملة أجنبية أكثر مما ينتج منها. ومع كل أزمة جديدة كان السؤال يعود من جديد: كيف نوفر الدولار؟
الإجابة الحقيقية لم تكن يومًا في القيود وحدها، ولا في الإجراءات المؤقتة وحدها. الدولار يُهزم بالإنتاج. يُهزم بالتصدير. يُهزم حين تصبح المصانع المصرية قادرة على بيع منتجاتها في الخارج، وحين ترتفع القيمة المضافة المحلية، وحين يتحول الاقتصاد من مستورد صافٍ إلى منتج ومصدر.
تكشف بيانات التجارة الخارجية المصرية أن الواردات ما زالت تفوق الصادرات بفجوة كبيرة. ورغم نجاح بعض القطاعات التصديرية، ما زالت القاعدة الصناعية أقل من أن تحقق التحول المطلوب في الميزان التجاري. وهذا ما يجعل الصناعة قضية نقدية بقدر ما هي قضية اقتصادية.
تعلمت دول كثيرة هذا الدرس مبكرًا. كوريا الجنوبية ربطت مشروعها الوطني كله بالتصدير. وفيتنام جعلت من الصناعة بوابة للاندماج في الاقتصاد العالمي. والمغرب ركز على صناعات بعينها مثل السيارات والطيران ونجح في تحويلها إلى مصادر رئيسية للعملة الأجنبية والنمو.
لا تحتاج مصر إلى تقليد هذه الدول حرفيًا، لكنها تحتاج إلى التعلم من قواعد نجاحها. فجميعها اتفقت على أمر واحد: لا تنمية بلا إنتاج، ولا إنتاج بلا صناعة، ولا صناعة بلا رؤية طويلة المدى.
تزداد أهمية هذه القضية في عصر الثورة الصناعية الرابعة، حيث أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد جزءًا من العملية الإنتاجية. لم تعد المنافسة تقوم فقط على رخص العمالة أو وفرة الأراضي، بل على المعرفة والابتكار والقدرة على مواكبة التحولات العالمية.
مصر الممكنة لا تستطيع الوصول إلى عام 2030 باقتصاد يعتمد على الاستيراد أكثر







