
لا أعرف رجلًا مات قبل أن أُكمل عامي الأول، ثم ظل حاضرًا في حياتي أكثر من كثيرين عاصرتهم بنفسي.
ولا أعرف زعيمًا غاب عن الدنيا منذ أكثر من ستة عقود، ثم ظل قادرًا على أن يشاركك قرارك السياسي، ويجادلك في أفكارك، ويصحح لك طريقك، كلما شعرت أن الطريق التبس عليك.
ذلك هو مصطفى النحاس.
أستاذي الذي لم أره.
بعد ساعات قليلة، تحل الذكرى السابعة والأربعون بعد المائة لميلاد مصطفى النحاس باشا.
مائة وسبعة وأربعون عامًا مرت منذ جاء إلى الدنيا ذلك الطفل القادم من سمنود.
واحد وستون عامًا مضت على رحيله.
ومع ذلك يبدو الرجل اليوم أقرب إلى الحضور من كثيرين يعيشون بيننا.ثمة رجال يغادرون الحياة فتبتلعهم صفحات التاريخ.
وثمة رجال يغادرونها فيتحولون إلى جزء من التاريخ.
أما مصطفى النحاس فقد تحول إلى جزء من وجدان مصر نفسها.
بعض المعلمين نجلس إليهم في الفصول.
وبعضهم نتعلم منهم عبر الكتب.
وبعضهم نهتدي بأفكارهم ونحن لا نعرف ملامح أصواتهم.
أما مصطفى النحاس فكان بالنسبة لي شيئًا مختلفًا.
لم أره.
ولم أجلس إليه.
ولم أصافحه.
ولم أسمع خطبة واحدة من صوته.
حين رحل في الثالث والعشرين من أغسطس عام 1965، كنت طفلًا لم يُكمل شهره التاسع بعد.
ثمانية أشهر وثمانية عشر يومًا فقط كانت تفصل بين ميلادي ورحيله.
لكن الرجل الذي غادر الدنيا قبل أن أعرفها، عاش في وجداني ما يقرب من اثنين وستين عامًا.
عاش في ضميري السياسي.
وفي وجداني الوطني.
وفي الطريق الذي اخترته لنفسي.
وكأنه لم يرحل يومًا.

لا أستطيع أن أذكر اسم مصطفى النحاس دون أن يمر أمامي اسم فؤاد سراج الدين باشا.
أبي الروحي ومعلمي الأول.
ذلك الرجل الذي كان الابن السياسي الأوفى للنحاس، والحارس الأمين لتراثه، والجسر الممتد بين جيل سعد زغلول ومصطفى النحاس وبين أجيال جاءت بعدهما تبحث عن مصر التي حلموا بها.
ومن خلال فؤاد باشا لم أتعرف إلى تاريخ النحاس فقط.
بل تعرفت إلى روحه.
وإلى أخلاقه.
وإلى طريقته في فهم السياسة.
وإلى ذلك المعنى النبيل الذي جعل الوطنية عنده قيمة أخلاقية قبل أن تكون موقفًا سياسيًا.
حين أتأمل سلسلة النسب الفكري والوطني التي صنعت جانبًا مهمًا من تاريخ مصر الحديث، أراها تبدأ بالإمام محمد عبده.
ثم سعد زغلول.
ثم مصطفى النحاس.
ثم فؤاد سراج الدين.
سلسلة لم تكن تنقل السلطة، بل تنقل الفكرة.
ولم تكن تورث المناصب، بل تورث الإيمان بالحرية والدستور والدولة المدنية وحق الأمة في أن تحكم نفسها بنفسها.
خرج مصطفى النحاس من سمنود.
من بيت مصري بسيط.
ومن حياة لا توحي بأن صاحبها سيصبح يومًا زعيم الأمة.
لكن التاريخ لا يصنعه أصحاب الألقاب الكبيرة.
يصنعه أصحاب القلوب الكبيرة.
وكان قلب مصطفى النحاس واسعًا بما يكفي ليحمل وطنًا كاملًا.
تعلم في الخديوية ثم في مدرسة الحقوق.
وعمل قاضيًا.
وكان يمكن أن يعيش حياة هادئة مستقرة بين ملفات المحاكم وأحكام القضاء.
إلا أن مصر في ذلك الوقت كانت تبحث عن رجال من طراز آخر.
وكانت أفكار مصطفى كامل لا تزال تلقي بظلالها على جيل كامل من الشباب الوطني.
وكانت البلاد تتهيأ لواحدة من أعظم لحظات يقظتها الوطنية.
وكانت الأقدار تهيئ مصطفى النحاس لدور أكبر من منصة قاضٍ.
جاءت ثورة 1919.
وجاء سعد زغلول.
فوجد مصطفى النحاس نفسه في المكان الذي خُلق من أجله.
ولم يكن غريبًا أن يتحول من قاضٍ ناجح إلى واحد من أبرز قادة الحركة الوطنية.
ثم إلى أقرب الرجال إلى سعد.
ثم إلى وريثه السياسي بعد رحيله.
من المفارقات التي أحب أن أتوقف أمامها طويلًا، أن القدر جمع بين سعد زغلول ومصطفى النحاس في الحياة، ثم جمع بينهما في الرحيل.
رحل سعد زغلول في الثالث والعشرين من أغسطس عام 1927.
ورحل مصطفى النحاس في الثالث والعشرين من أغسطس عام 1965.
كأن التاريخ أراد أن يضع نهاية الفصلين في اليوم نفسه.
الأستاذ أولًا.
ثم التلميذ الذي أصبح زعيمًا.
حين رحل سعد، تساءل المصريون: من يحمل الراية بعده؟
كانت المهمة أقرب إلى المستحيل.
لكن مصطفى النحاس لم يحاول أن يكون سعدًا آخر.
وكان هذا سر نجاحه.
لم يكن ظلًا للزعيم.
بل امتدادًا له.
فكتب الفصل الثاني من الحكاية الوطنية المصرية.
تولى رئاسة الحكومة سبع مرات.
وقاد حزب الوفد خمسة وعشرين عامًا.
وخاض معارك الاستقلال والدستور والحرية.
وعرف السجن.
وعرف النفي.
وعرف الحكم.
وعرف المعارضة.
ولم يتوقف يومًا عن الإيمان بأن الأمة أكبر من الحاكم، وأن الشعب أكبر من السلطة.
كان هو من صنع معاهدة 1936.
ورأى فيها آنذاك خطوة أولى نحو الاستقلال الكامل.
ثم جاء هو نفسه بعد سنوات ليعلن إلغاءها.
وهنا بالضبط تعلمت من مصطفى النحاس واحدًا من أهم دروس السياسة في حياتي.
الرجل الذي وقع المعاهدة باسم الوطنية المصرية، عاد بعد خمسة عشر عامًا تقريبًا ليقف أمام الشعب نفسه ويعلن إلغاءها.
لم يعتبر ذلك تناقضًا.
ولم يره تراجعًا.
ولم يخجل منه.
لأن الوطني الحقيقي لا يعبد قراراته القديمة.
ولا يحول مواقفه إلى أصنام.
كان يدرك أن السياسة ليست دينًا جديدًا.
وأن الحكمة ليست في التمسك بالموقف مهما تغيرت الظروف، بل في التمسك بالمصلحة الوطنية مهما تغيرت المواقف.
باسم مصر وقع المعاهدة.
وباسم مصر ألغى المعاهدة.
وبين التوقيع والإلغاء ظل وفيًا للمبدأ نفسه.
تغيرت الوسيلة.
ولم يتغير الهدف.
وربما كان هذا أحد أهم الدروس التي تعلمتها منه وأنا لم أره يومًا.
أن مراجعة الموقف ليست خيانة.
وأن تصحيح المسار ليس سقوطًا.
وأن الثبات على الخطأ ليس بطولة.
ظل اسم مصطفى النحاس مرتبطًا بأحد أكثر المشاهد تعقيدًا في التاريخ المصري الحديث.
حادث الرابع من فبراير 1942.
ذلك اليوم الذي أحاطت فيه الدبابات البريطانية بقصر عابدين.
ووجدت مصر نفسها بين الاحتلال والملك والحكومة والحرب العالمية.
اختلف الناس حول الموقف.
وما زالوا يختلفون.
لكن أحدًا لم يشكك يومًا في أن الرجل كان يبحث عن مصلحة وطنه كما يراها.
حتى لو اختلف معه الآخرون.
كانت عظمة النحاس أنه لم يكن سياسيًا من الورق.
كان إنسانًا من لحم ودم.
يخطئ ويصيب.
ينتصر ويهزم.
لكنه لم يتاجر يومًا بوطنه.
ولم يبع قناعته.
ولم يجعل من نفسه مشروعًا فوق مصر.
أحب المصريون بيته أكثر مما أحبوا قصور كثير من الحكام.
وأحبوا سيرته أكثر مما أحبوا خطب كثير من السياسيين.
لأنه لم يكن يتحدث عن الناس من أعلى.
بل كان واحدًا منهم.
وكانوا يشعرون أنه يشبههم.
ويحلم مثلهم.
ويتألم مثلهم.
ويحب مصر كما يحبونها.
لم يكن ثوريًا بالمعنى الذي عرفته مصر لاحقًا.
ولم يكن محافظًا بالمعنى الجامد للكلمة.
كان ليبراليًا يؤمن بالحرية.
ومتدينًا يؤمن بالله.
ومصريًا يؤمن بوطنه.
وعربيًا يؤمن بدور أمته.
ورجل دولة يؤمن بالمؤسسات.
وكانت هذه التركيبة النادرة هي سر بقائه.
ساهم في تأسيس جامعة الدول العربية.
لأنه كان يرى أن استقلال مصر لا ينفصل عن نهضة محيطها.
وكان يؤمن أن قوة مصر الحقيقية ليست في عزلتها، بل في رسالتها.
بعد يوليو 1952 كان يستطيع أن يساوم.
أن يصمت.
أن يبحث عن موقع آمن في النظام الجديد.
لكنه اختار أن يبقى مصطفى النحاس حتى النهاية.
وفديًا حتى النهاية.
ومؤمنًا بالدستور حتى النهاية.
ودافع ثمن ذلك من حريته ومن راحته ومن سنوات عمره.
وحين سُجن هو وزوجته زينب الوكيل، لم يسقط من أعين الناس.
بل ازداد احترامًا في قلوبهم.
لأن الشعوب قد تغفر الخطأ السياسي.
لكنها لا تنسى الشجاعة.
ثم جاء يوم الرحيل.
الثالث والعشرون من أغسطس 1965.
وكان المشهد أقرب إلى استفتاء شعبي أخير.
خرجت الجماهير من كل مكان.
وامتلأ ميدان التحرير.
وامتدت الجنازة من عمر مكرم إلى شارع طلعت حرب، ثم إلى الحسين.
ولم تكن مصر تودع رجلًا.
كانت تودع عصرًا كاملًا.
أحيانًا أتساءل:
كيف يستطيع رجل مات قبل أن أتم عامي الأول أن يظل حاضرًا في حياتي كل هذه العقود؟
ثم أجد الإجابة بسيطة.
بعض الناس يعيشون بأعمارهم.
وبعضهم يعيشون بأثرهم.
ومصطفى النحاس كان من النوع الثاني.
سلام على الطفل الذي خرج من سمنود يحمل حقيبة صغيرة، فعاد إلى مصر يحمل وطنًا كاملًا.
وسلام على القاضي الذي ترك منصة المحكمة ليجلس على منصة التاريخ.
وسلام على تلميذ سعد زغلول الذي أصبح بعده أستاذ أجيال كاملة لم تره.
وسلام على الرجل الذي غادر الدنيا وأنا في شهري التاسع، ثم ظل حاضرًا في عمري كله.
مات مصطفى النحاس منذ واحد وستين عامًا.
لكن بعض الرجال لا يُقاسون بعدد السنوات التي عاشوها.
بل بعدد السنوات التي يواصلون الحياة فيها داخل الآخرين.
ولهذا لم يمت مصطفى النحاس بعد.
فما زال يعيش في فكرة.
وفي قيمة.
وفي ضمير.
وفي حلم قديم اسمه مصر.
لذلك لا أكتب اليوم عن زعيم وفدي.
ولا عن رئيس حكومة.
ولا عن صفحة من صفحات التاريخ.
أكتب عن أستاذ لم أره.
وما زلت أتعلم منه.
لذلك يبقى مصطفى النحاس…
وجهًا لا يغيب.







