
في كل مرة تمر فيها المنطقة بأزمة، يخرج علينا من يحاول أن يحول معاناة الشعوب إلى فرصة لبث الكراهية وإشعال الفتن.
وخلال الفترة الأخيرة، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي موجة مؤسفة من الخطابات العدائية بين بعض المصريين والسودانيين، وكأن التاريخ المشترك قد اختفى فجأة، وكأن نهر النيل الذي جمع الشعبين عبر آلاف السنين أصبح حدودًا تفصل بينهما لا جسرًا يربطهما.
المؤلم في الأمر أن بعض الأصوات المصرية اختارت أن تتعامل مع الأزمة السودانية بمنطق التعالي أو السخرية أو الاتهام الجماعي، متناسية أن الشعب السوداني لم يكن يومًا عدوًا لمصر، بل كان دائمًا شريكًا في التاريخ والجغرافيا والمصير.
ما يحدث اليوم لا يخدم مصر ولا السودان، بل يخدم فقط كل من يريد تمزيق المنطقة وتحويل شعوبها إلى جماعات متناحرة منشغلة بمعارك وهمية.
لقد تعايش المصريون والسودانيون لعقود طويلة، وتزاوجت العائلات، وتشابكت المصالح، وتشارك الشعبان الأفراح والأحزان. ولم تكن الحدود السياسية يومًا قادرة على إلغاء هذا الواقع الإنساني والحضاري.
لكن البعض يصر على اختزال ملايين البشر في منشور غاضب أو تعليق مسيء أو حملة تحريضية رخيصة، وكأن العلاقات بين الشعوب تُبنى أو تُهدم بكلمات عابرة على شاشة هاتف.
إن قوة مصر لا تكون بإهانة السودانيين، كما أن قوة السودان لا تكون بمعاداة المصريين.
القوة الحقيقية هي أن يدرك الطرفان أن بينهما من المشتركات ما يفوق بكثير كل الخلافات السياسية الطارئة.
ولا يمكن الحديث عن العلاقة بين مصر والسودان دون التوقف أمام واحدة من أصعب المحطات التي مر بها الشعب السوداني في تاريخه الحديث.
فمع اندلاع الحرب في السودان، اضطر ملايين السودانيين إلى ترك منازلهم والبحث عن الأمان لأسرهم وأطفالهم. وكانت مصر، بحكم الجوار والتاريخ والروابط الإنسانية، واحدة من أهم الوجهات التي استقبلت أعدادًا كبيرة من الأشقاء السودانيين.
ورغم ما تواجهه مصر نفسها من تحديات اقتصادية وضغوط معيشية، فقد فتحت أبوابها أمام مئات الآلاف من السودانيين، واحتضنتهم المدارس والمستشفيات والأحياء السكنية، وسعى كثير من المصريين إلى تقديم المساعدة والدعم بقدر ما يستطيعون.
وقد تقع بعض التجاوزات الفردية هنا أو هناك، وهو أمر يحدث في كل المجتمعات، لكن لا يجوز أن تتحول أخطاء أفراد إلى أحكام عامة على شعب كامل عُرف عبر تاريخه بالكرم وحسن الضيافة.
كما لا ينبغي أن ننسى أن السوداني الذي جاء إلى مصر هاربًا من الحرب لم يأتِ سائحًا أو باحثًا عن رفاهية، بل جاء هربًا من الخوف والدمار وفقدان الأمان.
ومن هنا فإن احترام الأشقاء السودانيين، وتوفير سبل الراحة والحياة الكريمة لهم، ليس مجرد واجب إنساني فحسب، بل هو أيضًا وفاء لعلاقة تاريخية امتدت عبر قرون بين شعبين جمعهما النيل ووحدتهما المحن قبل الأفراح.
فمن يقف اليوم إلى جوار السودان، إنما يقف إلى جوار جزء من تاريخه وهويته وعمقه الاستراتيجي والإنساني.
ولعل أخطر ما يواجه أمتنا اليوم ليس الفقر ولا الأزمات الاقتصادية فحسب، بل نجاح بعض الأصوات المتطرفة في تحويل الخلافات السياسية إلى كراهية شعبية.
ولهؤلاء أقول:
لن تستطيعوا تغيير التاريخ.
لن تستطيعوا محو آلاف السنين من العلاقات الإنسانية والحضارية.
ولن تستطيعوا إقناع المصري الحقيقي بأن السودان عدو، أو إقناع السوداني الحقيقي بأن مصر خصم.
قد تختلف الحكومات.
وقد تتغير السياسات.
وقد تنشأ أزمات وخلافات.
لكن يبقى شعبا وادي النيل أكبر من كل ذلك.
فيا ابن النيل ( من المنبع الي المصب )
لا تسمح لأحد أن يسرق منك أخاك.
ولا تسمح لأحد أن يجعل الحدود أقوى من التاريخ.
ولا تسمح لأحد أن يزرع الكراهية حيث زرع النيل الحياة.
مصر والسودان ليسا مجرد دولتين متجاورتين…
بل حكاية شعبين جمعهما النهر، ووحدهما التاريخ، وسيظل المستقبل بحاجة إليهما معًا أكثر من أي وقت مضى.







