مقالات وآراء

د.عبد الفتاح طوقان يكتب: ذكريات الإسكندرية: مشاعر الحب والمغامرات في مدينة الأحلام


في زوايا الذكريات، حيث تمتزج الألوان والأحاسيس، تتجلى تفاصيل حياة غنية بالعواطف والمغامرات. كانت الإسكندرية، المدينة التي تنبض بالحياة، هي مسرح أحلامنا. هناك، حيث كنا نعيش لحظات لا تُنسى، نقرأ مجلات ميكي وسوبرمان، ونتجول في شوارع سينما مترو وأمير وريالتو، حيث كانت الأفلام تأخذنا بعيدًا إلى عوالم سحرية.

أمضينا أشهر الصيف مع أصدقائنا في كبائن النصر بالمعمورة، وشاطئ عايدة بالمنتزه. كانت الضحكات تتعالى، والألعاب تتناثر، وكنا نعيش كل يوم وكأنه مغامرة جديدة. سافرنا في رحلات مدرسية إلى القاهرة والأقصر وأسوان، حيث استمتعنا بكتب المغامرين الخمسة وترجمات أجاثا كريستي التي كنا نشتريها من مكتبة المعارف بمحطة الرمل، نغمر أنفسنا في القصص التي تأخذنا إلى عوالم بعيدة.

كانت أيام الجمعة مخصصة لصلاة جماعية في مسجد السلام برشدي أو مسجد القائد إبراهيم أو مسجد أبو العباس. كانت تلك اللحظات تحمل في طياتها خطبًا دينية وسياسية، تلامس قلوبنا وتوقظ وعينا في أوقات صعبة.

أما في المساء، كانت أيام الجمعة مخصصة لنادي سبورتنج الأنيق، حيث كنا نتبادل الأحاديث مع الأصدقاء، ونحضر حفلات أعياد الميلاد في نادي اليخت والنادي اليوناني. أما موسيقى حفلات الماتينيه لفرق الكاتس والليبي تي شاه، فقد كانت تحلق بنا في فضاء من السعادة في حديقة قصر المنتزه، حيث كانت تذكرة الدخول للحفل الراقص لا تتجاوز عشرة قروش.

ولم يكن الأسبوع مكتملًا بدون زيارة فندق سان استفانو، وفندق البوريفاج، وفندق سيسيل، حيث كانت تلك الأماكن تجسد الفخامة للطبقة المخملية. هناك، كانت محلات الحلويات الفاخرة ذات المساحات الكبيرة، مثل محل ديليس وأتينيوس وترينانون، تقدم أفضل الحلويات الفرنسية واليونانية، تضاهي كافيه دي باريس في فرنسا بجانب الأوبرا.

أما النشاط المسرحي، فكان الصيف عامرًا بمسرحيات فؤاد المهندس، وشويكار، وعادل إمام، وسمير غانم، ومحمود التوني، وعمالقة الفن، الذين أسعدوا قلوبنا وأدخلوا البهجة إلى حياتنا.

لم نتغيب عن قداس كنيسة الجزويت يوم الأحد، وكنّا نتوجه بعدها لمشاهدة أفلام سينمائية أمريكية، إذ كانت الكنيسة منارة حضارية تبث الأمل في قلوبنا. أما عن البينالي والفنون الأخرى، فكانت تقام في المركز الثقافي بمنطقة محرم بك، حيث كانت معزوفات المشاهير تعزف البيانو والتشيلو والكمان، تُسحرنا بنغماتها.

وفي مسرح سيد درويش، كانت الأوبرا ومسرحيات شكسبير تأخذنا إلى عوالم الأدب الرفيع. الإسكندرية، المدينة الكوزموبوليتينية، لم تكن مجرد مكان، بل كانت وطنًا للأحلام والأحاسيس.

أما الطعام، فكان رحلة بحد ذاته. من مطعم أيليت إلى سانتا لوتشيا، كانت الأطباق تتنوع في مذاقها، لتأخذنا في جولة عبر النكهات، من مشاوي الإخلاص إلى سمك بترو وزفريون في أبو قير، وصولًا إلى سندوتشات الفول عند جاد ومحمد أحمد.

نحن، الذين وُلدنا في أواخر الخمسينات أو الستينيات، شهدنا كل تلك اللحظات. عشنا في كنف أحلام الشباب، وتزوجنا، واكتشفنا العالم، وبنينا آمالنا في عقود جميلة. ومع مرور الزمن، نضجت أحلامنا، وصارت أكثر حكمة، لكننا لا نزال نتذكر تلك الأيام الجميلة.

لقد عشنا عبر ست عقود وحقب زمنية متعددة، وها نحن نواصل المسير نحو ما تبقى من الرحلة. شهدنا التغيرات السريعة في العالم، من الهواتف الأرضية إلى الهواتف الذكية، ومن الصور التقليدية إلى عالم الإنترنت وسافرنا الي عشرات المدن والدول حول العالم .

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الوقت لا يتوقف لكن تبقى الإسكندرية هي المكان الأميز الذي يحمل الثقافه و السياحه و الانفتاح والفرح و التاريخ .كل لحظة تمر تذكرنا بأن الحياة ليست بعدد السنوات، بل بعدد اللحظات التي عشناها بصدق ومحبة. لذا، لا تؤجل فرحتك، ولا تؤجل كلمة طيبة، ولا تؤجل لقاء من تحب.

تمسك بأبنائك وأحفادك وأصدقائك، فستأتي أيام لن يبقى فيها سوى الذكريات الجميلة.

عش يومك بمحبة، وصنع ذكرى تستحق أن تُروى. فاليوم هو يومك، ولا وقت للتأجيل.

إسكندرية ماريا

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى