زعيم الوفد ومحامي الأمة.. في ذكرى ميلاد مصطفى النحاس باشا

يصادف اليوم، الخامس عشر من يونيو، ذكرى ميلاد أحد أعظم رجالات السياسة في تاريخ مصر الحديث، الزعيم مصطفى النحاس باشا (1879 – 1965). الرجل الذي ارتبط اسمه بحزب الوفد وبكفاح الشعب المصري ضد الاحتلال البريطاني، والذي حمل شعلة الوطنية خلفاً للزعيم سعد زغلول، ليصبح “محامي الأمة” الذي صاغ معاهدات الكفاح ووقف في وجه الاستبداد والقصر والاحتلال على حد سواء.
النشأة: من تلغراف سمنود إلى منصة القضاء
وُلد مصطفى النحاس في 15 يونيو 1879 بمدينة سمنود في محافظة الغربية، لأسرة ميسورة تعمل في تجارة الأخشاب. أظهر ذكاءً مبكراً منذ عمله في مكتب التلغراف، مما دفع المستشارين لتشجيع والده على إرساله للقاهرة للتعليم. تخرج في مدرسة الحقوق عام 1900، وبدأ حياته العملية محامياً، ثم قاضياً تنقل بين محاكم قنا وأسوان وطنطا، حيث نال رتبة “البكوية” بفضل نزاهته وكفاءته القانونية، قبل أن يترك منصبه القضائي لينخرط في أتون النضال الوطني.
رفيق سعد زغلول ومسيرة الوفد
جاء دخول النحاس للحياة السياسية استجابةً للنداء الوطني عقب الحرب العالمية الأولى. اختاره سعد زغلول ليكون أحد أعضاء الوفد المصري السبعة في عام 1918، وسرعان ما أصبح النحاس الساعد الأيمن لزعيم الأمة وسكرتيراً للوفد. خاض مع رفاقه معارك سياسية شرسة، ونُفي معهم إلى جزيرة سيشل عام 1921، ليعود أكثر إصراراً على المضي قدماً في طريق الاستقلال. وبعد وفاة سعد زغلول عام 1927، تولى النحاس باشا رئاسة حزب الوفد بإجماع القلوب والصفوف.
المحطات التاريخية: بين القصر والاحتلال
تولى النحاس باشا رئاسة وزراء مصر عدة مرات (1928، 1930، 1936-1937، 1942-1944، 1950-1952)، وشهدت فتراته قرارات تاريخية منها:
- معاهدة 1936: التي سعت لإنهاء الاحتلال البريطاني بشكل قانوني.
- إلغاء المعاهدة (1951): حين وقف تحت قبة البرلمان يعلن للعالم: “من أجل مصر وقعت معاهدة 1936، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها”، لتشتعل شرارة الكفاح المسلح في منطقة القنال، وهي الخطوة التي وصفها التاريخ بأنها “الثورة المصرية الثانية”.
مواقف لا تُنسى: الوطنية فوق العرش
سجل التاريخ للنحاس باشا مواقف وطنية نادرة، أبرزها رفضه تأليف وزارة ائتلافية تحت ضغط القوات البريطانية في 4 فبراير 1942، حتى اضطر للقبول بها لاحقاً لإنقاذ البلاد والعرش، مسجلاً في خطابه للملك فاروق عبارات تاريخية تُدرس في الوطنية، وموجهاً احتجاجاً رسمياً للسفير البريطاني يرفض فيه التدخل في شؤون مصر الداخلية.
الرحيل والذاكرة
بعد ثورة يوليو 1952، ابتعد النحاس عن الحياة العامة، وتوفي في 23 أغسطس 1965، وشُيعت جنازته في مشهد مهيب يليق بـ “زعيم الوفد”. لم يترك النحاس خلفه ثروة، بل ترك إرثاً من الوثائق والمذكرات (مذكرات النفي) التي توثق حقبة من أهم حقب تاريخ مصر المعاصر، ولا تزال شخصيته حاضرة في الفن والأدب كرمز للسياسي الذي آمن بالديمقراطية كطريق للتحرر.







