مصرع عاملتين وإصابة 13 في حادث انقلاب شاحنة بمعتمدية المزونة التونسية

تتجدد مأساة العاملات في القطاع الفلاحي بـ الجمهورية التونسية في مشهد بات يتكرر بوتيرة مفزعة على الطرقات الريفية، حيث شهدت معتمدية المزونة التابعة لـ محافظة سيدي بوزيد صباح يوم الجمعة الموافق 12 يونيو 2026 حادث مرور مأساوي إثر انقلاب شاحنة خفيفة كانت تقل عشرات العاملات، مما أسفر عن مصرع عاملتين في الحال وإصابة 13 عاملة أخرى بجروح متفاوتة الخطورة، نقلت على إثرها المصابات إلى المستشفيات لتلقي الإسعافات العاجلة في ظل حالة من الحزن والغضب الشعبي العارم.
تشير التحقيقات الأولية إلى أن الشاحنة التي كانت تحمل نحو 20 عاملة فلاحية انحرفت عن مسارها على الطريق الرابطة بين المزونة والرقاب، مما أدى إلى انقلابها في ظروف تعكس بوضوح استمرار استهتار الوسطاء وناقلي العمال بأرواح النساء الريفيات، وتكشف هذه الفاجعة عن ضعف منظومة النقل في المناطق الزراعية بـ الجمهورية التونسية، حيث تضطر النساء إلى ركوب شاحنات غير مهيأة لنقل البشر، تفتقر لأدنى مقومات السلامة المهنية، في رحلة يومية محفوفة بالموت بحثاً عن أجور زهيدة لا تغطي الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
تؤكد البيانات الصادرة عن منظمات حقوقية أن هذا الحادث ليس استثناءً، بل هو حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الكوارث المرورية التي تضرب عمق الأرياف في الجمهورية التونسية، فقد سجلت السجلات الرسمية والتقارير الميدانية منذ عام 2015 وحتى الآن ما يقرب من 88 حادث سير مروع، خلفت في مجموعها مصرع أكثر من 60 عاملة فلاحية وإصابة ما يزيد عن 900 امرأة، وتتركز هذه الحوادث بشكل لافت ومريب في محافظتي سيدي بوزيد والقيروان، مما يضع السلطات المعنية أمام مسؤولية مباشرة عن التقاعس في حماية هذه الفئة الكادحة.
يواجه القانون رقم 51 لعام 2019، الذي صُمم خصيصاً لتنظيم نقل العاملات في القطاع الفلاحي، انتقادات حادة بسبب فشله الذريع في فرض سيطرته على أرض الواقع، إذ لا تزال وسائل النقل غير الآمنة تهيمن على المشهد، وسط غياب تام لآليات الرقابة الصارمة على الطرقات، ويستمر الوسطاء في فرض سطوتهم على العاملات، مقتطعين أجزاء من أجورهم اليومية التي تبلغ في أقصى تقديراتها 20 ديناراً، في حين تظل النساء اللواتي يمثلن نحو 70% من اليد العاملة الفلاحية في الريف عرضة لمخاطر يومية لا تنتهي.
تتفاقم الأوضاع المعيشية في المناطق الريفية بـ الجمهورية التونسية نتيجة ارتفاع نسب الفقر والبطالة، مما يضطر الآلاف من النساء إلى القبول بظروف عمل غير مهيكلة ومحفوفة بالمخاطر، وتتقاطع هذه الهشاشة الاقتصادية مع ضعف البنية التحتية وغياب الحلول الحكومية الجذرية، مما يجعل من الطرقات الريفية مصيدة للموت تبتلع الأرواح في صمت، بينما تتوالى الوعود الرسمية دون أن يلمس المواطن أي تغيير ملموس يحمي حياة هؤلاء النساء اللواتي يكدحن في صمت لدعم الاقتصاد الوطني.
تتطلب هذه الكارثة الإنسانية تدخلاً عاجلاً وفورياً لإنهاء عصر الشاحنات المتهالكة، وضرورة تفعيل نصوص القانون رقم 51 لعام 2019 بشكل حازم لا يقبل التهاون مع المخالفين، فاستمرار نزيف الدم على طرقات سيدي بوزيد لم يعد مقبولاً بأي حال من الأحوال، ويجب على كافة الجهات المسؤولة في الجمهورية التونسية وضع استراتيجية وطنية شاملة تضمن النقل الآمن والحماية الاجتماعية الشاملة للعاملات الفلاحيات قبل وقوع الفاجعة القادمة التي تلوح في الأفق مع كل رحلة فجر جديدة.







